في الثالثة والنصف من عصر يوم 17 سبتمبر/أيلول 2024، وفي توقيت واحد تقريبًا، انفجرت آلاف أجهزة النداء («البيجر») في جيوب حامليها من عناصر حزب الله وكوادره: في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي البقاع، وفي الجنوب. في اليوم التالي انفجرت أجهزة الاتصال اللاسلكي. سقط عشرات القتلى وأصيب آلاف، بينهم مدنيون كانوا إلى جوار حاملي الأجهزة في الأسواق والبيوت. المفارقة أن الحزب كان قد اعتمد هذه الأجهزة تحديدًا هربًا من اختراق الهواتف الذكية؛ فإذا بسلسلة التوريد نفسها مخترقة من المنبع، وإذا بأداة الأمان تتحول إلى سلاح.

لم تكن تلك العملية إنجازًا استخباريًا معزولًا. كانت إعلانًا عن انقلاب المعادلة التي حكمت الجبهة اللبنانية منذ 2006: معادلة ردع متبادل قامت على افتراض كل طرف أن خصمه يعرف عنه ما يكفي ليخشاه، ولا يعرف عنه ما يكفي ليجرؤ عليه. في ذلك العصر بالذات اكتشف حزب الله أن الطرف الآخر يعرف كل شيء تقريبًا: الأجهزة، والأسماء، والمواقع، وسلاسل القيادة التي صُفّيت تباعًا خلال الأيام التالية، وصولًا إلى اغتيال الأمين العام حسن نصر الله في 27 سبتمبر/أيلول 2024.

تحاول هذه المقالة الإجابة عن سؤال تتجاوز أهميته لبنان وغزة معًا: ماذا يحل محل الردع المتبادل حين ينكسر في الاتجاهين؟ الأطروحة التي نختبرها أن البديل الذي تشكّل هو «هيمنة تصعيدية» إسرائيلية، فعّالة عسكريًا لكنها غير مستقرة سياسيًا، وأنها تحمل في بنيتها بذور الجولة المقبلة. وهي أطروحة تمس مستقبل كل فاعل مسلح من غير الدول في الإقليم، من بيروت إلى صنعاء.

قواعد بلا توقيع: كيف عمل الردع القديم

بين صيف 2006 وخريف 2023 عاشت الجبهة اللبنانية أطول هدوء في تاريخها منذ السبعينيات. لم يوقّع أحد اتفاقًا مفصلًا، ولم يعلن أحد قواعد اشتباك. ومع ذلك عرف الطرفان الحدود بدقة لافتة: رسائل نارية محسوبة بدل الحروب، ومزارع شبعا ساحة تذكير لا ساحة حسم، واغتيالات متفرقة تقابلها ردود مضبوطة السقف. حرب يوليو/تموز 2006 نفسها، التي قتلت نحو 1200 لبناني معظمهم مدنيون ونحو 160 إسرائيليًا معظمهم جنود، انتهت من دون حسم عسكري، لكنها أنتجت ما هو أبقى من الحسم: يقينًا متبادلًا بأن الجولة التالية ستكون أفدح من أن يبادر إليها طرف عاقل.

اعتراف حسن نصر الله الشهير بعد أسابيع من تلك الحرب — بأنه لو علم أن عملية أسر الجنديين ستقود إلى حرب بذلك الحجم لما أمر بها — كان حجر الأساس المعلن للمعادلة الجديدة. فالردع لا يقوم على القدرة وحدها، بل على ذاكرة الكلفة. وقد رسّخت السنوات التالية تلك الذاكرة: ترسانة صاروخية متعاظمة لدى الحزب مقابل تفوق جوي واستخباري إسرائيلي، وكلاهما مقيد بحسابات الخسارة.

على جبهة غزة تشكّلت قواعد موازية بلغة مختلفة. جولات 2008–2009 و2012 و2014 و2021 جرت وفق قاموس مفهوم للطرفين: تصعيد محدود، فوساطة مصرية وقطرية، فتهدئة مقابل تسهيلات اقتصادية وأموال قطرية تدخل القطاع بعلم إسرائيل. سمّت الأدبيات الإسرائيلية ذلك «جز العشب»: إضعاف دوري لقدرات حماس من دون إسقاط حكمها. ورأت حماس في كل جولة تثبيتًا لموقعها بوصفها سلطة أمر واقع لا يمكن تجاوزها. لم تكن هذه الترتيبات ثنائية خالصة؛ فقد شكّلت ركيزة في منظومة «الدفاع المتقدم» لما يُعرف بمحور المقاومة، ضمن البنية الأوسع للمواجهة الإقليمية التي فصّلناها في تحليلنا لمسار حرب الظل الكبرى بين واشنطن وطهران ووكلائها.

جوهر المعادلتين واحد: غموض متبادل منضبط. كل طرف يجهل من قدرات خصمه ونواياه ما يكفي ليتحوط، ويبالغ في تقديره ما يكفي ليمتنع. هذا الغموض تحديدًا هو الذي دُمّر بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، في الاتجاهين.

القطيعة المزدوجة: 7 أكتوبر ومرآته في سبتمبر 2024

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 اخترقت قوة هجومية قادتها حماس السياج الفاصل، وقتلت نحو 1200 شخص في إسرائيل معظمهم مدنيون، واقتادت نحو 250 رهينة إلى القطاع. كان ذلك انهيارًا مزدوجًا للافتراضات الإسرائيلية: انهيار الردع بمعناه المباشر، وانهيار نظرية أعمق قامت عليها السياسة الإسرائيلية لسنوات، وهي أن حماس «محتواة» بمصالحها الاقتصادية وبأعباء الحكم. قرأت إسرائيل نوايا الحركة من سلوكها في الجولات السابقة، فبنت نموذجًا للخصم كان الخصم قد قرر التخلي عنه.

الرد جاء على مدى عامين، وبمنطق مختلف نوعيًا عن كل الجولات السابقة. في غزة، حرب تجاوزت حصيلتها 67 ألف قتيل وفق وزارة الصحة في غزة حتى سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع دمار شمل معظم العمران في القطاع ونزوح شبه كامل لسكانه. وعلى الجبهة اللبنانية، التي فتحها حزب الله «إسنادًا» في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، انتقلت إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2024 من تبادل الرسائل إلى تفكيك الخصم: تفجير أجهزة الاتصال، فاغتيال قائد قوة الرضوان إبراهيم عقيل، فحملة جوية قتلت في يوم واحد — 23 سبتمبر/أيلول — أكثر من 500 شخص وفق وزارة الصحة اللبنانية، فاغتيال نصر الله، فتوغل بري بدأ في 1 أكتوبر/تشرين الأول. حتى وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 كان قد قُتل نحو 4000 شخص في لبنان وفق وزارة الصحة اللبنانية ونزح أكثر من مليون، فيما قُتل عشرات الجنود والمدنيين في إسرائيل ونزح عشرات الآلاف من بلدات الشمال.

المعنى الاستراتيجي لهذه القطيعة المزدوجة أدق من مجرد «هزيمة» طرف. فقد أثبت 7 أكتوبر لإسرائيل أن غموض نوايا خصومها قد يخفي قرار حرب شاملة، وأثبتت حملة سبتمبر 2024 لحزب الله أن غموض قدراته لم يعد قائمًا أصلًا: فالاختراق الاستخباري بلغ أجهزته وغرف قيادته ومخازن صواريخه. والردع، كما تعلّم نظرية الصراع، يحتاج إلى قدر من عدم اليقين المتبادل؛ فحين يتيقن طرف من انكشاف خصمه الكامل، وحين يتيقن الآخر من أن ضبط النفس لم يعد يشتري له الأمان، تفقد المعادلة ركنيها معًا.

حزب الله بعد وقف النار: السلاح في مواجهة الدولة

نصّ اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024 على انسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني وتفكيك بنيته العسكرية جنوبه، وانتشار الجيش اللبناني مكانه. وتولى نعيم قاسم الأمانة العامة خلفًا لنصر الله، ليدير مرحلة لم يعرف الحزب أصعب منها منذ تأسيسه: قيادة منهكة، وقاعدة اجتماعية مدمرة البيوت، وخط الإمداد البري من إيران مقطوع بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

ثم انتقل الضغط إلى الداخل. ففي أغسطس/آب 2025 كلّفت الحكومة اللبنانية الجيش بخطة لحصر السلاح بيد الدولة، ورفض الحزب المبدأ جهارًا. ومع ذلك مضى المسار: في 8 يناير/كانون الثاني 2026 أعلن الجيش اللبناني إتمام المرحلة الأولى من الخطة جنوب الليطاني، حيث بسط سيطرته العملياتية للمرة الأولى منذ أربعة عقود بانتشار تجاوز 9000 جندي، باستثناء خمسة مواقع لا تزال إسرائيل تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، فيما اعتبرت إسرائيل أن ما تحقق «غير كافٍ» وأن بنية عسكرية واسعة ما زالت قائمة، وفق ما أوردته تغطية الجزيرة لإعلان إتمام المرحلة الأولى. وفي 17 فبراير/شباط 2026 حددت بيروت أربعة أشهر لمرحلة ثانية تمتد من الليطاني إلى نهر الأولي، بينما تمسك الحزب بأن التزاماته تنحصر جنوب الليطاني حصرًا.

غير أن اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 قلب الطاولة على هذا التدرج. فمنذ مطلع مارس/آذار انزلقت الجبهة اللبنانية إلى حرب جديدة: توغلات إسرائيلية في مناطق من لبنان، وصواريخ ومسيّرات من الحزب باتجاه الشمال الإسرائيلي، وحصيلة تجاوزت 4000 قتيل في لبنان وأكثر من مليون نازح وفق أرقام رسمية لبنانية. ولم تثبت هدنة إلا في 19 يونيو/حزيران 2026، برعاية أميركية وقطرية وبمشاركة إيرانية في الترتيبات، بعد يوم تخللته ضربات قُتل فيها ما لا يقل عن 47 شخصًا وفق وزارة الصحة اللبنانية. خرج الحزب من هذه الجولة أشد استنزافًا، لكنه كرر أن سلاحه باقٍ. وتبقى ورقة الإعمار هي ساحة الاشتباك التالية: فالتمويل الخليجي والدولي مشروط عمليًا باحتكار الدولة للسلاح، ما يضع الحزب أمام مفاضلة قاسية بين ترسانته وبين بيوت جمهوره. وهذا المأزق وجه محلي لمأزق طهران الأوسع الذي حللناه في قراءتنا لمسار الانتقال من الوكالة إلى المواجهة المباشرة وسيناريوهات نهاية اللعبة.

حماس بعد الحرب: بقاء سياسي فوق ركام عسكري

دفعت حماس خلال الحرب ثمنًا قياديًا غير مسبوق: اغتيال إسماعيل هنية في طهران في يوليو/تموز 2024، ومقتل محمد الضيف في غارة صيف 2024، ثم مقتل يحيى السنوار في رفح في أكتوبر/تشرين الأول 2024، فمقتل شقيقه محمد السنوار في مايو/أيار 2025. ومع ذلك لم ينهر التنظيم؛ بل أعاد ملء المواقع، وحافظ على قتال عصابات مستنزف حتى اللحظة الأخيرة.

جاء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضمن خطة أميركية من 20 بندًا كُرّست دوليًا بقرار مجلس الأمن 2803، الذي نصّ على «مجلس سلام» إشرافي وقوة استقرار دولية ولجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع. وتشكلت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» في يناير/كانون الثاني 2026 برئاسة القائم بأعمالها علي عبد الحميد شعث، لكنها ظلت حتى منتصف 2026 تعمل من مقر مؤقت في القاهرة من دون أن تتمكن من مباشرة عملها داخل القطاع. وعلى الأرض ترتسم ازدواجية صريحة: قوات إسرائيلية خلف «الخط الأصفر» تسيطر على أكثر من نصف مساحة القطاع، وسيطرة أمنية لحماس في ما تبقى، مع ضربات إسرائيلية شبه يومية قتلت مئات الفلسطينيين منذ سريان وقف النار وفق وزارة الصحة في غزة.

في هذا المشهد تنكشف معادلة حماس الجديدة: الفصل بين البقاء السياسي والبقاء العسكري. فالحركة أبدت مرونة متدرجة في مسألة الحكم — إذ أعلنت استعدادها لتسليم الإدارة المدنية للجنة التكنوقراطية — بينما تصلبت في مسألة السلاح، وهي الشرط المركزي في المرحلة الثانية من الخطة. حسابها مفهوم ضمن منطقها: السلاح هو آخر أوراقها التفاوضية ومصدر وزنها داخل الساحة الفلسطينية، وتجربة حزب الله أمامها لا تشجع على التنازل المجاني. لكن النتيجة أن القطاع عالق بين سلطة أمر واقع منهكة لا يُسمح لها بالحكم، وسلطة بديلة معيّنة لا تستطيع الوصول، واحتلال عسكري لأكثر من نصف الأرض. وهي تركيبة أقرب إلى هدنة مجمدة منها إلى ترتيب نهائي.

«مفارقة الردع»: حين تلغي الغلبة حافز ضبط النفس

نحتاج هنا إلى إطار مفاهيمي يفسر لماذا لا يترجم التفوق العسكري الكاسح استقرارًا. نسميه «مفارقة الردع»، ويقوم على ملاحظتين متكاملتين.

الأولى تخص الطرف الأضعف. الردع المتبادل يفترض أن ضبط النفس يشتري شيئًا: حصانة نسبية للقادة، وبقاء للبنية، وهامش حكم أو نفوذ. أما في ظل «الهيمنة التصعيدية» — أي قدرة طرف على رفع كلفة أي تصعيد عند كل درجة من السلّم بما يفوق قدرة خصمه على المجاراة — فإن الطرف الأضعف يكتشف أن ضبط النفس لم يعد يشتري له شيئًا؛ فقادته يُغتالون في الهدوء كما في الحرب، وبنيته تُقصف بذريعة «الوقاية»، وشرعيته تُنزع بالتجويع المالي. عندها تنتقل حساباته من منطق الردع (منع الحرب) إلى منطق البقاء (النجاة داخلها)، ومن الرد المحسوب إلى الاستنزاف اللامتماثل حيث تكون كلفة القمع أعلى من كلفة التمرد. سلوك حزب الله الذي واصل القصف حتى اليوم الأخير قبل هدنة 2024 رغم تصفية قيادته، وقتال حماس بعد فقدان طبقتين قياديتين كاملتين، شاهدان على هذا الانتقال. وقدّم الحوثيون الدليل الأنقى على المنطق ذاته: جماعة لا تكاد تملك ما تخسره فرضت كلفة عالمية بأرخص الأدوات، كما نفصّل في تحليلنا لـمعركة الممرات في البحر الأحمر وسلاح خنق التجارة العالمية.

الملاحظة الثانية تخص الطرف الأقوى. الهيمنة التصعيدية لا تُصان إلا بتطبيق دائم للقوة؛ فهي ليست حالة تُبلغ مرة واحدة، بل نشاط يومي: ضربات «وقائية» في لبنان وغزة رغم اتفاقات وقف النار، واغتيالات دورية، وحضور عسكري خلف خطوط متنازع عليها. وهذا التطبيق الدائم يراكم كلفته الخاصة: استنزاف الشرعية الدولية، وإرهاق قوات الاحتياط والاقتصاد، وتوتير التحالفات، وتحويل «النصر» إلى مهمة أمنية مفتوحة بلا خط نهاية. فتكون المحصلة هدوءًا عسكريًا بلا استقرار سياسي: لا حرب كاملة، ولا سلام ممكن، بل إدارة عنف منخفض الشدة تظل قابلة للانفجار عند أول صدمة خارجية — وهو ما أثبتته حرب 2026 حين أشعلت المواجهة مع إيران الجبهة اللبنانية مجددًا خلال أيام.

من هاتين الملاحظتين تتفرع ثلاث نتائج للخريطة الجيوسياسية: أولًا، دورات إعادة بناء واستهداف لا تنتهي ما دام سبب وجود السلاح قائمًا وسبب ضربه قائمًا. ثانيًا، غياب مرساة تسوية، لأن المنتصر لا يرى داعيًا للتنازل والمهزوم لا يملك ما يقدمه. ثالثًا، انتقال عدوى النموذج: فكل فاعل من غير الدول في الإقليم يستخلص أن الحماية ليست في الترسانات الكبيرة المكشوفة، بل في التشتت والرخص والاستقلالية التشغيلية.

خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها

  • مسار المرحلة الثانية من حصر السلاح شمال الليطاني: إنجازها التفاوضي سيكون سابقة تاريخية في العلاقة بين الدولة اللبنانية والحزب؛ أما تعثرها أو انزلاقها نحو صدام داخلي فسيكون أوضح إنذار بجولة مقبلة، خصوصًا إذا استمرت الضربات الإسرائيلية في تقويض حجة التسليم الطوعي.
  • دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع فعليًا: بقاؤها في القاهرة يعني تجميد المسار السياسي برمته وبقاء سلطة الأمر الواقع؛ ودخولها من دون اتفاق على السلاح يعني اختبارًا مباشرًا لقدرة حماس على التحول من سلطة حاكمة إلى فاعل سياسي مسلح خلف الستار.
  • إيقاع الضربات «الوقائية» الإسرائيلية في لبنان وغزة خلال فترات التهدئة: هذا الإيقاع هو المقياس العملي لكلفة صيانة الهيمنة التصعيدية؛ ارتفاعه المطرد يعني أن المعادلة الجديدة تستهلك نفسها، وأن الانفجار التالي مسألة توقيت لا مبدأ.

أسئلة يطرحها القراء

هل انتهى حزب الله كقوة عسكرية؟ لا، لكن وظيفته تغيرت. فقد خسر قيادته التاريخية وجزءًا كبيرًا من ترسانته وخط إمداده البري، وخضع جنوب الليطاني لانتشار الجيش اللبناني منذ يناير/كانون الثاني 2026. غير أنه احتفظ بقدرات شمال الليطاني وبقرار سياسي معلن برفض التجريد الكامل. التوصيف الأدق أنه انتقل من ذراع ردع إقليمية ضمن منظومة إيرانية إلى فاعل محلي مأزوم، يفاوض على بقائه بين ضغط الدولة وشروط الإعمار وحسابات طهران.

من يحكم قطاع غزة اليوم فعليًا؟ لا أحد بمفرده. إسرائيل تسيطر عسكريًا على أكثر من نصف مساحة القطاع خلف «الخط الأصفر»، وحماس تحتفظ بالسيطرة الأمنية في المناطق المتبقية، واللجنة التكنوقراطية المنشأة بموجب القرار 2803 لم تباشر عملها من داخل القطاع حتى منتصف 2026. هذه الازدواجية الثلاثية هي جوهر أزمة «اليوم التالي» التي لم تُحل بعد رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار.

لماذا لا يعني التفوق العسكري الإسرائيلي استقرارًا طويل الأمد؟ لأن ما تحقق هو هيمنة تصعيدية لا ردع متبادل. الهيمنة تلغي حافز الخصم لضبط النفس، إذ لم يعد ضبط النفس يشتري له حماية، وتلزم الطرف المتفوق بتطبيق دائم للقوة يستنزف شرعيته وموارده. والسجل القريب يؤيد ذلك: كل «حسم» منذ 2023 أنتج جبهة جديدة أو جولة جديدة، من غزة إلى لبنان إلى البحر الأحمر إلى المواجهة المباشرة مع إيران.