في صباح 28 فبراير 2026، خرج من المشهد الرجل الذي أمسك بمفاصل الدولة الإيرانية منذ عام 1989. غارات أميركية-إسرائيلية مشتركة، في افتتاح حرب لم يسبق لها مثيل، قتلت المرشد الأعلى علي خامنئي مع عدد من كبار المسؤولين، ودمّرت في أيامها الأولى جزءًا واسعًا من البنية العسكرية التي بُنيت على مدى عقود. وبعد أيام، اختارت جمعية الخبراء نجله مجتبى خلفًا له؛ انتقالٌ للسلطة جرى تحت القصف، لا في هدوء المراسم التي اعتادت الجمهورية الإسلامية إخراجها.

المفارقة أن مقتل المرشد لم يكن بداية الانهيار، بل ذروته. فالنظام الإقليمي الذي عرفته المنطقة منذ 1979 — محور إيراني يقاتل بالوكالة خارج حدوده، في مواجهة كتلة عربية-غربية تحتمي بالمظلة الأميركية — كان قد تفكك عمليًا قبل ذلك الصباح: حزب الله فقد قيادته في سبتمبر 2024، ونظام الأسد سقط في ديسمبر من العام نفسه، والمنشآت النووية الإيرانية قُصفت في يونيو 2025. جاءت حرب فبراير لتُجهز على ما تبقى من الهيكل، لا لتهدمه من أساسه.

هذا التحليل لا يسأل «من انتصر؟»، فالإجابة أقل وضوحًا مما توحي به نشوة بعض العواصم. السؤال الأصعب هو التالي: حين ينهار توازنٌ عمره نصف قرن أسرع من قدرة أي توازن بديل على التشكل، من يملأ الفراغ؟ وبأي ثمن؟ الفرضية التي نختبرها هنا أن فترة «ما بين النظامين» — لا طموحات أي طرف بعينه — هي مصدر الخطر الرئيسي في موازين القوى في الشرق الأوسط اليوم.

التوازن القديم: كيف عمل نظام ما بعد 1979

قامت هندسة المنطقة منذ الثورة الإيرانية على معادلة واضحة رغم دمويتها. طهران، المتفوق عليها تقليديًا في الجو والبحر والاقتصاد، عوّضت النقص ببناء «الدفاع المتقدم»: شبكة حلفاء ووكلاء تمتد من بيروت إلى صنعاء مرورًا ببغداد ودمشق وغزة، تنقل ساحة أي مواجهة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية. في المقابل، احتمت الكتلة المقابلة — دول الخليج ومصر والأردن — بالضمانة الأميركية، بينما احتفظت إسرائيل بتفوقها النوعي الجوي والاستخباري.

لعقود، جرى ضبط الصراع داخل منطقة رمادية: اغتيالات، تخريب سيبراني، حروب استنزاف بالوكالة، جولات محسوبة في غزة وجنوب لبنان. وقد فصّلنا قواعد هذه المنطقة الرمادية وأعرافها غير المكتوبة في تحليلنا الشامل لحرب الظل الكبرى بين واشنطن وطهران. القاعدة الذهبية كانت واحدة: لا حرب مباشرة بين الدول. كل طرف يعرف سقفه، وكل جولة تنتهي بتثبيت الردع لا بكسره.

صمد هذا التوازن لأن الطرفين اعتقدا أن الزمن يعمل لصالحهما. طهران كانت تراكم أوراقًا إقليمية وقدرات صاروخية وتقدمًا نوويًا، وخصومها كانوا يراكمون تفوقًا تقنيًا واقتصاديًا وتطبيعًا سياسيًا. وحين يظن الجميع أن الانتظار يخدمهم، لا أحد يبادر إلى قلب الطاولة. هذا الاعتقاد بالذات هو ما انكسر بعد 7 أكتوبر 2023.

خمس صدمات في ثمانية وعشرين شهرًا

الصدمة الأولى كانت هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. لم يكسر الهجوم افتراضات الردع الإسرائيلية فحسب، بل فتح سلسلة جبهات متزامنة: غزة، جنوب لبنان، البحر الأحمر، ثم التبادل المباشر الأول بين إيران وإسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024. المنطقة الرمادية التي احتوت الصراع أربعة عقود بدأت تفقد جدرانها.

الصدمة الثانية جاءت في سبتمبر 2024: تفجير أجهزة الاتصال في صفوف حزب الله، ثم اغتيال حسن نصر الله في 27 سبتمبر، وتفكيك هرم القيادة الذي بُني على مدى ثلاثة عقود. درة التاج في منظومة الردع الإيرانية جرى تحييدها في أسابيع، على نحو شرحنا آلياته وتداعياته في تحليل معادلة الردع المكسورة على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية.

الصدمة الثالثة كانت سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. انقطع الجسر البري بين طهران وبيروت، وتحولت سوريا من ركيزة في ما يُعرف بمحور المقاومة إلى ساحة مفتوحة تحت رعاية أنقرة. الصدمة الرابعة: حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، حين قصفت الولايات المتحدة منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وردّت إيران على إسرائيل وعلى قاعدة العديد في قطر؛ أول حرب مكشوفة بين الدول في هذا الصراع. ثم جاءت الصدمة الخامسة في 28 فبراير 2026: حرب استهدفت رأس النظام الإيراني نفسه، وانتهت جولتها الكبرى بوقف نار هش أُعلن في أبريل، لا يزال قائمًا بصعوبة لحظة كتابة هذه السطور.

الخلاصة التحليلية أن كل صدمة منفردة كانت قابلة للاحتواء، لكن تتابعها بهذه الوتيرة لم يكن كذلك. خسر المحور الإيراني في ثمانية وعشرين شهرًا ما بناه في أربعين عامًا. ومع ذلك، يخطئ من يقرأ المشهد بوصفه نهاية إيران كقوة إقليمية: الدولة باقية بجغرافيتها وسكانها ومعرفتها التقنية، وشبكاتها في العراق واليمن لم تُمسّ بعمق. ما انتهى هو نموذجٌ للنفوذ، لا النفوذ ذاته.

المطالبون الجدد: أنقرة والرياض وتل أبيب

تركيا هي الرابح الأوضح من سقوط الأسد. فهي الراعي الأول للحكومة الانتقالية في دمشق، وحاضرة عسكريًا واقتصاديًا في الشمال، وقد توسطت في الملف الأشد حساسية: العلاقة مع الإدارة الكردية. أثمر ذلك وقف إطلاق نار أعلنه الرئيس أحمد الشرع في يناير 2026، والاعتراف بالكردية لغة وطنية، ثم انتخابات تشريعية تكميلية في مناطق الحسكة وعين العرب في 24 مايو 2026. أدوات أنقرة متنوعة: الجيش، صناعة المسيّرات، شركات الإعمار، والقرب الأيديولوجي من الحكم الجديد. لكن حدودها واضحة أيضًا: اقتصاد مضغوط، واحتكاك متصاعد مع إسرائيل في الأجواء السورية.

دول الخليج تلعب بعملة مختلفة: المال والوساطة. تعهدات إعادة الإعمار، صناديق الاستثمار، وقنوات التواصل مع الجميع — بما فيها القناة السعودية شبه اليومية مع طهران خلال حرب 2026، التي كشفت عنها تقارير غربية متطابقة. رهان الرياض وأبوظبي والدوحة أن النفوذ يُشترى بالاستقرار لا بالقواعد العسكرية. وقد خصصنا لهذا الرهان وحدوده — التي كشفتها الحرب الأخيرة بقسوة — قراءة مستقلة في استراتيجية التحوط الخليجية بين واشنطن وطهران.

أما إسرائيل فوصلت إلى مدى عسكري غير مسبوق: ضربات من بيروت إلى أصفهان، ومنطقة عازلة في الجنوب السوري، وحرب جديدة على حزب الله منذ مارس 2026 خلّفت آلاف القتلى وما يزيد على مليون نازح وفق التقديرات المتداولة. غير أن التفوق العسكري ليس نظامًا سياسيًا. فالقدرة على الوصول إلى أي هدف لا تعني القدرة على تثبيت أي ترتيب، والهيمنة بلا شرعية إقليمية تولّد مقاومتها بأشكال جديدة يصعب قصفها.

«مثلث الفراغ»: إطار لقراءة اللحظة

نقترح هنا إطارًا تحليليًا نسميه «مثلث الفراغ». الفراغ الذي خلّفه انكماش المشروع الإيراني ليس فراغًا واحدًا، بل ثلاثة فراغات متراكبة، يملأ كلًّا منها فاعل مختلف بمشروع مختلف — وهنا مكمن الخطر.

الضلع الأول هو الفراغ الأمني: من يضبط السلاح والحدود حيث انسحبت البنى القديمة؟ الإجابة اليوم مجزأة: تفوق جوي إسرائيلي فوق سوريا ولبنان، وحضور بري تركي في الشمال السوري، وجيوش وطنية ناشئة أو منهكة — الجيش السوري الجديد قيد التأسيس، والجيش اللبناني الذي أعلن في 8 يناير 2026 إتمام المرحلة الأولى من بسط سيطرته جنوب الليطاني. حين يتوزع إنتاج الأمن بين أطراف متنافسة، تتحول كل نقطة تماس إلى خط احتكاك محتمل.

الضلع الثاني هو الفراغ الأيديولوجي. فقدت سردية ما يُعرف بمحور المقاومة قدرتها التعبوية مع تهاوي ركائزها، ولم تنتصر بعدُ سردية بديلة: إسلام سياسي أعيد تأهيله في دمشق برعاية تركية، ونموذج خليجي قوامه الوطنية التنموية، ومجتمعات منهكة لا تريد هذا ولا ذاك. الضلع الثالث هو الفراغ الاقتصادي: فواتير إعمار سوريا ولبنان وغزة تتجاوز قدرة أي طرف منفرد، ومن يدفع يكتب القواعد. الحزمة الأوروبية البالغة نحو 620 مليون يورو التي أعلنتها رئيسة المفوضية الأوروبية في دمشق في 9 يناير 2026 نموذج مبكر، والأموال الخليجية هي المرشح الأكبر لملء الباقي.

البصيرة المركزية في هذا المثلث أن الفراغات الثلاثة تُملأ من فاعلين مختلفين بمشاريع غير متوافقة: من يملك القوة النارية لا يملك المال، ومن يملك المال لا يملك السردية، ومن يملك السردية لا يملك الاقتصاد. هذه وصفة تنافس مهيكل طويل، لا وصفة هيمنة لطرف واحد — وقد بدأت مراكز التفكير الغربية ترصد ملامح هذا التنافس الرباعي بين أنقرة والرياض وتل أبيب وما تبقى لطهران، كما في تحليل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عن «الرباعية الشرق-أوسطية» الجديدة.

الأوراق غير المحسومة: العراق واليمن وسوريا الجديدة

العراق سار حتى الآن على حبل مشدود. الفصائل المسلحة الموالية لطهران امتنعت في معظمها عن الانخراط الكامل في الحروب الأخيرة، رغم تقارير عن ضربات طالت مواقعها خلال حرب 2026. وتبقى بغداد الساحة التي يحتفظ فيها النفوذ الإيراني بأعمق جذوره المؤسسية: في الاقتصاد، وفي بنية الحشد الشعبي، وفي التوازنات البرلمانية. مصير هذا النفوذ بعد تغير القيادة في طهران هو أحد أكبر المجاهيل المقبلة.

اليمن ورقة من طبيعة أخرى. خرج الحوثيون من كل الجولات محتفظين بجوهر قدراتهم الصاروخية، وهم الأكثر استقلالية بين شركاء طهران، وقد أثبتوا منذ نوفمبر 2023 أن إغلاق ممر ملاحي عالمي ممكن بأرخص الأسلحة. أما سوريا الجديدة فهي الورقة الأشد هشاشة وأهمية معًا: حكومة أحبطت في 16 أبريل 2026 محاولة انقلاب لضباط من النظام السابق، وأجرت في 9 مايو تعديلًا حكوميًا واسعًا، وتوازن بين إرضاء الداخل المتنوع وإرضاء الرعاة الخارجيين — وفق ما ترصده بانتظام الإحاطات الشهرية لمجلس الأمن حول سوريا. واللافت تحليليًا أن دمشق الجديدة صادرت شحنات سلاح كانت في طريقها إلى حزب الله؛ إشارة إلى انقلاب كامل في اتجاه البوصلة السورية. سوريا مرشحة لأن تكون الساحة التي تتقاطع فيها أضلاع المثلث الثلاثة دفعة واحدة: إسرائيل جنوبًا، تركيا شمالًا، المال الخليجي والأوروبي في الوسط، وبقايا الشبكات الإيرانية تحت السطح.

خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها

فترات الانتقال بين النظم الإقليمية تُقاس بالسنوات لا بالأشهر، لكن اتجاهها يمكن رصده مبكرًا. ثلاثة مؤشرات تستحق المراقبة خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة:

  • مصير التهدئة الأميركية-الإيرانية: هل تصمد ترتيبات وقف النار المعلنة منذ أبريل 2026 وتتحول إلى مسار تفاوضي فعلي، أم تنزلق إلى جولة جديدة؟ سلوك المرشد الجديد مجتبى خامنئي — وميزان القوى بينه وبين الحرس الثوري — هو المتغير الأقل قابلية للقياس والأكثر تأثيرًا.
  • آليات فض الاشتباك التركية-الإسرائيلية في سوريا: استمرار عملها هو الاختبار العملي لإمكان تقاسم الفراغ الأمني سلميًا؛ تعطلها إنذار مبكر بصدام بين القوتين الصاعدتين.
  • وتيرة أموال الإعمار الفعلية: حجم ما يصل حقيقةً من التعهدات الخليجية والأوروبية إلى دمشق وبيروت — لا ما يُعلن في المؤتمرات — سيحدد ما إذا كان الفراغ الاقتصادي يُملأ بالاستثمار المنظم أم يُترك لاقتصادات الظل والميليشيات.

أسئلة يطرحها القراء

هل انتهى النفوذ الإيراني في المنطقة نهائيًا؟

لا. ما انتهى هو نموذج «الدفاع المتقدم» القائم على حزام من الوكلاء يطوّق خصوم طهران. إيران دولة كبيرة بجغرافيتها ومواردها ومعرفتها الصاروخية والنووية، وشبكاتها في العراق واليمن قائمة. الأدق القول إن النفوذ الإيراني تراجع من مستوى الإمساك بأربع عواصم عربية إلى مستوى المزاحمة على النفوذ فيها، وإن خياراته المقبلة مرهونة بتوازنات القيادة الجديدة أكثر من أي وقت مضى.

من الرابح الأكبر من التحولات الجارية؟

لا يوجد رابح صافٍ. تركيا كسبت سوريا لكنها ورثت أعباءها الأمنية والاقتصادية. إسرائيل كسبت تفوقًا عسكريًا غير مسبوق من دون ترجمة سياسية تُذكر، وبكلفة شرعية متصاعدة. دول الخليج كسبت مقعد الوسيط والممول، لكنها اكتشفت في حرب 2026 أنها داخل مرمى النار لا خارجه. أما واشنطن فوسّعت حضورها العسكري بينما يتآكل صبرها الاستراتيجي على المنطقة.

هل المنطقة مقبلة على حرب إقليمية شاملة؟

السيناريو الأرجح في تقديرنا ليس الحرب الشاملة بل استمرار «التصعيد المدار»: جولات عنيفة محدودة الزمن تتخللها تهدئات هشة. غير أن فترات ما بين النظم الإقليمية هي تاريخيًا الأخطر، لأن قواعد الاشتباك الجديدة تُكتب بالتجربة والخطأ، وسوء التقدير فيها أرجح. المؤشرات الثلاثة أعلاه هي أدوات القياس العملية لمن أراد رصد الاتجاه قبل وقوعه.