في الساعات الأولى من يوم 22 يونيو/حزيران 2025، أفرغت قاذفات أميركية من طراز «بي-2» حمولتها من القنابل الخارقة للتحصينات فوق جبلٍ قرب مدينة قم، يختبئ في جوفه أشد منشآت التخصيب الإيرانية تحصينًا: فوردو. في الليلة نفسها ضُربت منشأتا نطنز وأصفهان، بعضها بصواريخ كروز أُطلقت من غواصة في المياه القريبة. كانت تلك أول مرة تقصف فيها الولايات المتحدة، بطائراتها وباسمها الصريح، قلب البرنامج النووي الإيراني على الأراضي الإيرانية. لم يعد ثمة وسيط، ولا إنكار، ولا غموض متعمد. الحرب التي دارت عقدين في الظل خرجت إلى الضوء الكامل.
جاءت تلك الضربة في اليوم العاشر من حرب الاثني عشر يومًا التي فتحتها إسرائيل في 13 يونيو/حزيران 2025 بهجوم مباغت قتل قادة عسكريين وعلماء نوويين إيرانيين في ساعاتها الأولى، وردّت عليه طهران برشقات صاروخية بلغت تل أبيب وحيفا. ثم توقفت الحرب بوقف إطلاق نار في 24 يونيو/حزيران، من دون اتفاق ومن دون حسم. وبدا للحظة أن المنطقة عادت إلى توازنها القديم. لكن ثمانية أشهر فقط فصلت تلك الهدنة عن انفجار أكبر: في 28 فبراير/شباط 2026 شنّت واشنطن وتل أبيب حملة جوية واسعة استهدفت قمة الهرم الإيراني نفسها، وقُتل فيها المرشد الأعلى علي خامنئي، في سابقة لم يعرف النظام الإقليمي مثيلًا لها منذ عقود.
هذان الانفجاران، بينهما هدنة قلقة، يطرحان السؤال الذي يحاول هذا التحليل الإجابة عنه: إذا كانت قواعد حرب الظل القديمة قد ماتت، فما القواعد التي تحكم المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران اليوم، وإلى أين تمضي حتى عام 2030؟ الأطروحة المركزية هنا أن المواجهة عبرت نهائيًا من طور الحرب السرية القابلة للإنكار إلى طور التبادل المباشر المتقطع، لكن أحدًا من أطرافها لا يحتمل حربًا فاصلة حتى النهاية. النتيجة توازن جديد غير مستقر يمكن تسميته «التصعيد المُدار»: جولات نار مفتوحة تعقبها هدنات هشة، وقواعد اشتباك ما زالت تُكتب بالتجربة والخطأ، وثمن خطأ واحد فيها قد يكون حربًا إقليمية كاملة.
تشريح حرب الظل: 2010–2023
لكي نفهم ما انكسر، لا بد من فهم ما كان قائمًا. طوال العقد الثاني من القرن، دارت بين إيران وخصميها حرب حقيقية بكل المقاييس عدا واحد: الاعتراف بها. افتُتحت فصولها المعلنة عام 2010 حين اكتُشف فيروس «ستوكسنت» الذي عطّل أجهزة الطرد المركزي في نطنز، في أول عملية تخريب سيبراني تُحدث دمارًا ماديًا في التاريخ. تلتها سلسلة اغتيالات طالت علماء البرنامج النووي داخل طهران بين 2010 و2012، ثم بلغت ذروتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 باغتيال محسن فخري زاده، كبير مهندسي البرنامج، بسلاح مُوجَّه عن بُعد شرقي طهران.
وفي المقابل، بنت إيران ردّها على قاعدة مختلفة: ليس الرد المباشر، بل استنزاف الخصوم عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء تمتد من بغداد إلى بيروت وصنعاء وغزة، وهي الشبكة التي عُرفت لدى أنصارها بما يُسمى «محور المقاومة». هذه البنية لم تكن ارتجالًا؛ كانت جوابًا عقلانيًا على تفوق تقليدي أميركي وإسرائيلي ساحق، وقد فصّلنا منطقها الداخلي ومآلاتها في تحليل مستقل عن تفكيك الاستراتيجية الإيرانية من الوكالة إلى المواجهة المباشرة. وحين احتدم الضغط الأميركي بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، ردّت طهران في مسرح الملاحة: تفجيرات ناقلات قبالة الفجيرة وفي خليج عُمان عام 2019، ثم الهجوم على منشأتي أبقيق وخريص النفطيتين في السعودية في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وهو هجوم عطّل مؤقتًا نحو نصف الإنتاج السعودي من دون أن تتبناه طهران رسميًا.
حتى اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، بضربة أميركية قرب مطار بغداد في 3 يناير/كانون الثاني 2020 ــ وهو أعلى استهداف شخصي في تاريخ المواجهة حتى حينه ــ جرى استيعابه داخل قواعد اللعبة: ردّت إيران بقصف صاروخي معلن ومحسوب على قاعدة عين الأسد في العراق، من دون قتلى أميركيين، وأُغلق الملف. هنا يكمن جوهر حرب الظل بوصفها نظامًا: كانت منظومة تواصل بقدر ما كانت منظومة عنف. كل ضربة رسالة، وكل امتناع عن التبني هامش تراجع، وكل رد محسوب اعتراف ضمني بسقف لا يريد أحد تجاوزه. لقد فضّل الطرفان هذا النمط لأنه يفصل بين الكلفة والمواجهة: تنزف الأطراف عبر الوكلاء والعمليات السرية، بينما تبقى العواصم نفسها خارج مرمى النار.
تمزّق السابع من أكتوبر: سقوط جدار الإنكار
انهار هذا النظام على مراحل، لكن الشرخ الأول كان صبيحة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين نفّذت حماس هجومها المباغت على البلدات والقواعد الإسرائيلية المحيطة بغزة، فقُتل نحو 1200 إسرائيلي واحتُجز نحو 250 رهينة. لم يكن الهجوم بقرار إيراني مباشر وفق أغلب التقديرات الغربية المتاحة، لكنه فجّر البنية التي بنتها طهران على مدى عقود، إذ استدعى حربًا إسرائيلية على غزة غير مسبوقة في طولها وكلفتها البشرية، وجرّ الشبكة الإيرانية كلها إلى الميدان تباعًا: فتح حزب الله جبهة الإسناد من جنوب لبنان في اليوم التالي، وبدأ الحوثيون في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 حملة على الملاحة في البحر الأحمر افتُتحت بالاستيلاء على سفينة «غالاكسي ليدر»، وهي الحملة التي أعادت رسم خرائط التجارة العالمية وأفردنا لها تحليلًا خاصًا عن معركة الممرات في البحر الأحمر وسلاح خنق التجارة.
ثم جاء عام 2024 ليكسر المحرّم الأكبر. في 1 أبريل/نيسان قصفت إسرائيل مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق وقتلت قائد فيلق القدس في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي. وجدت طهران نفسها أمام معضلة صريحة: الصمت يعني انهيار مصداقية الردع، والرد يعني الخروج من الظل. فاختارت الخروج. في ليلة 13–14 أبريل/نيسان أطلقت إيران من أراضيها أكثر من 300 مسيّرة وصاروخ باليستي وجوّال نحو إسرائيل، في أول هجوم مباشر ومعلن في تاريخ البلدين. اعترضت المنظومات الإسرائيلية، مسنودة بقوات أميركية وبريطانية وترتيبات إقليمية، الغالبية العظمى من المقذوفات، وردّت إسرائيل بضربة محدودة قرب أصفهان. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه تكررت الدورة بمستوى أعلى: نحو 180 صاروخًا باليستيًا إيرانيًا في الأول من الشهر، ثم ضربة إسرائيلية واسعة في 26 منه استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية ومنشآت إنتاج الصواريخ.
القراءة الدقيقة لهذين التبادلين تكشف أن كل جولة كانت تكتب قاعدة جديدة وتمحو أخرى. صار الهجوم من الأراضي الإيرانية على الأراضي الإسرائيلية، والعكس، حدثًا قابلًا للتكرار لا خطًا أحمر. وصارت المعركة الحقيقية بين كلفة الصاروخ المهاجم وكلفة صاروخ الاعتراض، وهي معادلة اقتصادية-تقنية قلبت مفهوم العمق الاستراتيجي رأسًا على عقب، نتناولها تفصيلًا في تحليل توازن النار: الصواريخ والمسيّرات وإعادة تعريف الردع. غير أن الأهم من ذلك كله أن جدار الإنكار ــ الركن الأول في حرب الظل ــ سقط ولم يعد قابلًا للترميم.
تحطّم الدرع: انهيار منظومة الوكلاء 2024–2025
الركن الثاني الذي سقط كان الدرع نفسه. ففي غضون خمسة عشر شهرًا فقدت إيران القسم الأعظم من البنية التي استغرق بناؤها أربعة عقود. بدأ الانهيار في لبنان: في 17 و18 سبتمبر/أيلول 2024 فجّرت إسرائيل آلاف أجهزة النداء والاتصال في أيدي عناصر حزب الله في عملية اختراق استخباري غير مسبوقة، ثم صفّت خلال أيام معظم قيادته العسكرية العليا، وبلغت الحملة ذروتها باغتيال أمينه العام حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 سبتمبر/أيلول. وحين وقّع لبنان اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كان الحزب قد خسر قيادته ومخازن كثيرة من سلاحه وقسمًا من قاعدة الاشتباك التي حكمت الجبهة منذ 2006. كيف انكسرت معادلة الردع التي حكمت جبهتي لبنان وغزة لعقدين، وماذا يعني ذلك لمستقبل الفاعلين من غير الدول، موضوع عالجناه في تحليل مستقل عن معادلة الردع المكسورة بين حزب الله وحماس.
ثم جاءت الضربة البنيوية الكبرى من حيث لم تُطلق رصاصة إيرانية واحدة: سقوط نظام بشار الأسد في دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 أمام هجوم للمعارضة المسلحة استغرق أيامًا. بسقوطه انقطع الجسر البري الذي كان يصل طهران ببيروت، وخسرت إيران استثمار عقود من المال والدم في سوريا. أما حماس فخرجت من حرب غزة، بعد مقتل يحيى السنوار في أكتوبر/تشرين الأول 2024 ثم وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قوةً منهكة عسكريًا تصارع على بقائها السياسي. هذه التحولات مجتمعة أعادت تشكيل موازين القوى الإقليمية من أساسها، وفتحت فراغًا تتنافس على ملئه تركيا ودول الخليج وإسرائيل، وهو ما نقرؤه بتوسع في الشرق الأوسط على الحافة: قراءة في تحولات موازين القوى الإقليمية.
الاستثناء الوحيد كان الحوثيين في اليمن، الطرف الأبعد جغرافيًا والأكثر استقلالية في القرار، الذين صمدوا أمام حملتين جويتين غربيتين وحافظوا على قدرتهم على تهديد الملاحة. لكن استثناءً واحدًا لا يصنع درعًا. فحين طلع فجر 13 يونيو/حزيران 2025، كانت الفرضية التأسيسية للاستراتيجية الإيرانية ــ أن شبكة الوكلاء تُبقي الحرب بعيدة عن الأراضي الإيرانية ــ قد سقطت عمليًا. ودخلت إيران المواجهة المباشرة مكشوفة الظهر، بلا جبهة لبنانية فاعلة، وبلا سوريا، وبغزة خارجة من الخدمة.
عام الحربين: من فوردو إلى مقتل خامنئي
ما جرى بين يونيو/حزيران 2025 ويونيو/حزيران 2026 يصح وصفه بعام الحربين. الحرب الأولى، حرب الاثني عشر يومًا، انتهت كما رأينا بوقف نار من دون تسوية. وخلّفت وراءها ملفًا نوويًا أشد غموضًا مما كان: انسحب مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إيران بعد الضربات، وتشير تقديرات فنية غربية إلى أن الضربات دمّرت أو عطّلت الجزء الأكبر من أجهزة الطرد المركزي المنصوبة في نطنز وفوردو، بينما بقي مصير مخزون اليورانيوم العالي التخصيب ــ الذي كانت الوكالة الدولية تقدّره قبيل الحرب بنحو 440 كيلوغرامًا بنسبة 60% ــ موضع خلاف مفتوح. وفي سبتمبر/أيلول 2025 فعّلت الترويكا الأوروبية آلية «سناباك» فعادت عقوبات الأمم المتحدة على طهران، لتكتمل حلقة الخنق الاقتصادي التي نحلل بنيتها وحدودها في اقتصاد الاستنزاف: كيف تقاتل إيران تحت العقوبات. ماذا بقي من البرنامج النووي فعلًا، وهل تدفع الضربات طهران نحو القنبلة بدل ردعها عنها، سؤالان يستحقان تحليلًا هادئًا قائمًا بذاته قدمناه في الملف النووي الإيراني بعد فوردو.
الحرب الثانية جاءت أعنف وأبعد مدى. في 28 فبراير/شباط 2026، ووسط مفاوضات أميركية-إيرانية متعثرة كانت جارية منذ ربيع 2025، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة جوية مكثفة استهدفت في ساعاتها الأولى منظومات الصواريخ والدفاع الجوي وقيادات الصف الأول، وقُتل فيها المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، وأكدت طهران مقتله في الأول من مارس/آذار. كان ذلك حدثًا خارج كل السوابق: اغتيال رأس دولة بوصفه عملًا حربيًا معلنًا. اختار النظام الإيراني الرد على مسارين متوازيين: التصعيد العسكري ــ صواريخ وتهديد مباشر للملاحة في هرمز تسبب في أوسع اضطراب يشهده سوق النفط منذ عقود ــ وترتيبُ البيت الداخلي بسرعة لافتة، إذ اختار مجلس الخبراء مجتبى خامنئي خلفًا لأبيه في غضون أيام، أُعلن عنها في 9 مارس/آذار، في رسالة استمرارية موجهة إلى الداخل قبل الخارج.
مع ذلك، لم تنتهِ هذه الحرب أيضًا بحسم. ففي 8 أبريل/نيسان 2026 بدأ وقف إطلاق نار جرى تمديده على دفعات متعثرة، وتتواصل حتى كتابة هذه السطور مفاوضات شاقة على مذكرة تفاهم تنهي الحرب، بينما يتبادل الطرفان الاتهامات بخرق الهدنة بين حين وآخر. وهنا بيت القصيد التحليلي: حتى حرب بلغت حد اغتيال المرشد الأعلى لم تُفضِ إلى استسلام ولا إلى تغيير نظام ولا إلى تسوية نهائية، بل إلى هدنة قلقة أخرى. النظام الإيراني لم ينهر، والقدرة الصاروخية لم تُستأصل، والمعرفة النووية لم تُقصف. والولايات المتحدة، التي تكبدت كلفة مالية جسيمة في أسابيع، لا تريد احتلالًا بريًا ولا حرب استنزاف مفتوحة. هذا هو الدليل التجريبي الأقوى على أطروحة هذا التحليل: المواجهة تصاعدت درجات على السلم، لكن منطق «لا قدرة على الحسم ولا قدرة على التعايش» ما زال يحكمها.
سيناريوهات 2030 الخمسة
كيف نفكر فيما هو آتٍ من دون ادعاء التنبؤ؟ الأداة المنهجية الأنسب هي بناء سيناريوهات متمايزة، لكل منها محركاته وشروطه ومؤشراته المبكرة، ثم مراقبة الواقع وهو يرجّح بعضها على بعض. وقد طبقنا منهج تحليل المسارات هذا بتفصيل أكبر على نقاط الاشتعال المحتملة في الحرب القادمة: تحليل علمي لمسارات الصراع الأميركي-الإيراني. أما هنا فنرسم الخريطة الكلية: خمسة سيناريوهات تغطي، في تقديرنا، الفضاء الواقعي لمآلات المواجهة حتى 2030.
السيناريو الأول: التصعيد المُدار (الخط الأساس، وهو الأرجح). استمرار النمط الذي ترسّخ منذ 2024: جولات قتال مباشر متقطعة، تعقبها هدنات يتخللها عمل استخباري وسيبراني صامت، من دون حرب دائمة ومن دون سلام. شرطه بقاء حسابات الطرفين على حالها: واشنطن وتل أبيب قادرتان على الضرب لكنهما غير راغبتين في الاحتلال، وطهران منهكة لكنها غير منهارة. خطره الكامن أنه توازن بلا شبكة أمان؛ كل جولة جديدة تبدأ من سقف الجولة السابقة، وسوء تقدير واحد كفيل بتحويله إلى السيناريو الخامس.
السيناريو الثاني: الصفقة الكبرى. أن تتسع مفاوضات إنهاء الحرب الجارية إلى تسوية شاملة: قيود نووية صارمة قابلة للتحقق وعودة كاملة للتفتيش، مقابل رفع متدرج للعقوبات وضمانات بوقف استهداف النظام. محركه الأقوى حاجة القيادة الجديدة في طهران إلى إنجاز اقتصادي يثبّت شرعيتها الداخلية الهشة. وعقبته الأقوى انعدام الثقة المطلق بعد اغتيال خامنئي، وقناعة راسخة لدى جناح الحرس الثوري بأن الضمانات الغربية بلا قيمة، وهي قناعة عززتها تجربة 2018. احتماله معتدل، ويرتفع كلما طال أمد الهدنة من دون انفجار.
السيناريو الثالث: الاختراق النووي الإيراني. أن تستخلص القيادة الإيرانية من مقتل المرشد أن الردع التقليدي والوكلاء فشلا معًا، وأن الضمانة الوحيدة الباقية هي السلاح النووي، فتمضي سرًا نحو التسليح مستفيدة من انقطاع رقابة الوكالة الدولية منذ فبراير/شباط 2026. المعرفة موجودة، والمخزون المخصب ــ إن سلم قسم معتبر منه ــ يختصر الطريق. لكن في وجهه عقبتان ثقيلتان: منظومة استخبارية أميركية-إسرائيلية أثبتت اختراقًا عميقًا للداخل الإيراني، وسابقتان تثبتان أن الاقتراب المكشوف من العتبة يستدعي الحرب لا يمنعها. احتماله غير مهمل، وهو أخطر السيناريوهات على الإطلاق لأنه الوحيد الذي يفرض على خصوم إيران سباقًا مع الزمن.
السيناريو الرابع: تحوّل النظام في طهران. لا يعني بالضرورة سقوط الجمهورية الإسلامية، بل إعادة توزيع جوهرية للسلطة داخلها. صعود مجتبى خامنئي جرى تحت جناح الحرس الثوري وفي ظرف حرب، ما يجعل النظام أقرب إلى جمهورية عسكرية بغطاء ديني منه إلى نموذج والده. تراكم الضغوط ــ اقتصاد مخنوق، وشرعية مجروحة، وجيل شاب قطع مع المشروع الأيديولوجي ــ قد يفضي بحلول 2030 إلى تحول براغماتي يعيد ترتيب الأولويات من الخارج إلى الداخل، أو إلى اضطراب داخلي مفتوح النهايات. احتماله في الأمد المنظور منخفض إلى معتدل، لكنه يتعاظم مع كل سنة عقوبات إضافية.
السيناريو الخامس: الحرب الإقليمية الشاملة. النسخة الموسعة مما لاحت بوادره في ربيع 2026: انهيار كامل للهدنة، إغلاق فعلي طويل لمضيق هرمز، استهداف منهجي للقواعد الأميركية ومنشآت الطاقة في الخليج، ودخول ما تبقى من الشبكة الإيرانية على كل الجبهات دفعة واحدة. دول الخليج، التي راهنت على استراتيجية التحوّط بين واشنطن وطهران وجرّبت حدودها القاسية خلال عام الحربين ــ وهي معضلة نفردها بالتحليل في الخليج بين واشنطن وطهران: استراتيجية التحوّط وحدودها ــ ستجد نفسها في قلب النار لا على هامشها. احتماله منخفض بوصفه خيارًا مقصودًا، لأنه خراب متبادل مؤكد اقتصاديًا؛ لكنه الاحتمال الذي تنزلق إليه كل السيناريوهات الأخرى عند سوء التقدير، ولهذا بالذات يجب أن يبقى في صدارة أي مراقبة جادة.
القيمة العملية لهذه الخريطة ليست في ترجيح سيناريو بعينه، بل في أنها تحوّل متابعة الأخبار اليومية من ضجيج إلى قياس: كل حدث جديد إما يغذي أحد هذه المسارات أو يضعفه. ومن هذه الزاوية يصبح السؤال الصحيح ليس «ماذا سيحدث؟» بل «أي المؤشرات تتحرك الآن؟».
خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها
السنوات الأربع المقبلة لن تحسمها الخطابات بل تفاصيل تقنية وعملياتية قابلة للرصد. ثلاثة مؤشرات تستحق، في تقديرنا، المراقبة قبل غيرها:
- وضع التفتيش الدولي على المنشآت النووية الإيرانية. عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الإيرانية والتحقق من مصير مخزون اليورانيوم المخصب ستكون أول إشارة صلبة إلى مسار الصفقة الكبرى؛ أما استمرار الانقطاع الرقابي القائم منذ فبراير/شباط 2026، فهو البيئة الحاضنة الوحيدة الممكنة لسيناريو الاختراق النووي.
- الوضعية العسكرية الأميركية في الخليج ومحيطه. عدد حاملات الطائرات في المنطقة، وكثافة بطاريات الدفاع الجوي المنشورة، ووتيرة تعزيز القواعد أو تخفيفها، مؤشرات تسبق النوايا المعلنة دائمًا: التكديس ينذر بجولة جديدة، والتخفيف يوحي بثقة واشنطن في صمود الهدنة.
- وتيرة إعادة بناء حزب الله مقابل مسار نزع سلاحه. أنجزت الدولة اللبنانية مطلع 2026 المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب الليطاني وبدأت التحضير للمرحلة الثانية شماله وسط رفض الحزب العلني. تقدّم هذا المسار يعني ترسخ توازن ما بعد 2024؛ وتعثره مع مؤشرات على إعادة تسليح نوعي يعني أن الجبهة الشمالية لإسرائيل تعود بندًا أول في حسابات الحرب المقبلة.
أسئلة يطرحها القراء
هل انتهت حرب الظل فعلًا بعد أن صارت المواجهة مباشرة؟
لم تنتهِ، بل تغيّرت وظيفتها. العمليات السرية ــ الاغتيالات والتخريب والحرب السيبرانية واختراق سلاسل الإمداد ــ مستمرة تحت سطح الجولات المعلنة، وقد أثبتت عملية أجهزة النداء في لبنان ثم دقة الاستهدافات داخل إيران أنها تتطور لا تتراجع. الذي انتهى هو احتكار الظل للمواجهة: صار العمل السري رافدًا للحرب المكشوفة بدل أن يكون بديلًا عنها.
هل تملك إيران سلاحًا نوويًا اليوم؟
لا يوجد دليل معلن على ذلك. المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كرر أن الوكالة لم تر مؤشرات على برنامج تسليح قائم، لكن المشكلة الجوهرية أن أدوات التحقق نفسها معطلة منذ توقف التفتيش، وأن مخزونًا كبيرًا من اليورانيوم العالي التخصيب ما زال مجهول المصير وفق تقديرات المتابعين المتخصصين. التوصيف الدقيق لوضع إيران اليوم أنها دولة عتبة فقدت منشآتها المعلنة واحتفظت بمعرفتها، وهذا مزيج غير مسبوق يجعل الغموض ذاته هو الخطر.
ماذا يعني صعود مجتبى خامنئي لمستقبل المواجهة؟
في الأمد القريب، استمرارية مشوبة بالحذر: المرشد الجديد يدين بموقعه للحرس الثوري ولظرف الحرب، وأولويته المطلقة تثبيت سلطته في الداخل، ما يرجّح تأجيل القرارات الكبرى ــ قنبلةً كانت أم صفقة شاملة. أما في الأمد الأبعد فالسؤال الحاسم هو أي جناح يحسم التوازن داخل النظام: جناح يرى النجاة في التصلب والغموض النووي، أم جناح يرى أن بقاء الجمهورية الإسلامية نفسها بات مرهونًا بتسوية تفك الخناق الاقتصادي. مسار هذا الصراع الداخلي، لا نيات واشنطن ولا خطط تل أبيب وحدها، هو الذي سيحدد أي سيناريو من سيناريوهات 2030 يتحقق.