قبل فجر 28 فبراير 2026، ضربت موجات متتابعة من الصواريخ والطائرات الأميركية والإسرائيلية أهدافًا في العمق الإيراني. وحين انقشع الغبار، كان المرشد الأعلى علي خامنئي، الرجل الذي أمسك بمفاصل الجمهورية الإسلامية منذ عام 1989، في عداد القتلى. الدولة التي أنفقت أربعة عقود في بناء أذرع خارج حدودها كي لا تصل الحرب إلى أراضيها، وجدت الحرب وقد بلغت قلب عاصمتها ورأس نظامها.

هذه المفارقة ليست تفصيلًا في سردية الصراع، بل خلاصة اختبار تاريخي للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة بأكملها. فمنذ نهاية الحرب مع العراق، راهنت طهران على أن «الدفاع المتقدم» — القتال بالوكلاء بعيدًا عن الحدود — يشتري الأمن بكلفة محتملة ويُبقي المواجهة خارج الداخل الإيراني. بين أكتوبر 2023 وفبراير 2026 انهار هذا الرهان حلقةً بعد حلقة: تفكك درع حزب الله، وسقط حليف دمشق، وضُربت المنشآت النووية، ثم قُتل المرشد نفسه في ضربة مباشرة لم يجرؤ أحد على تصورها قبل سنوات قليلة.

واليوم، وبعد يومين فقط من توقيع الرئيسين الأميركي والإيراني مذكرة تفاهم في 17 يونيو 2026 تفتح نافذة تفاوض مدتها ستون يومًا، يقف النظام — بقيادة مرشده الثالث مجتبى خامنئي — أمام السؤال الذي أرجأه طويلًا: ماذا بعد سقوط الاستراتيجية؟ هذه قراءة في نشأة نموذج الوكالة، وفي ميكانيزمات انهياره، وفي الخيارات الثلاثة المتبقية على طاولة طهران.

من صدمة الحرب المفروضة وُلد «الدفاع المتقدم»

في 22 سبتمبر 1980 عبرت القوات العراقية الحدود، وبدأت حرب استمرت ثماني سنوات وخلّفت مئات الآلاف من القتلى. خاضت إيران تلك الحرب شبه معزولة: سلاح جو يتآكل تحت الحظر، ومدن تُقصف بالصواريخ، وجبهات تتعرض للسلاح الكيميائي وسط صمت دولي ثقيل، إلى أن اضطر الخميني في يوليو 1988 إلى قبول القرار 598، واصفًا ذلك القبول بأنه «تجرّع كأس السم».

من هذه الصدمة التأسيسية وُلد المبدأ الذي حكم العقيدة الأمنية الإيرانية منذئذ: ألا تُخاض الحرب المقبلة على الأراضي الإيرانية، وألا يُترك أمن النظام رهينة جيش نظامي مكشوف. ولأن ميزان القوى التقليدي كان مختلًا بوضوح — لا طيران حديث، ولا عمق صناعي عسكري يضاهي جيران مدعومين أميركيًا — اختارت طهران حلًا لا يحتاج إلى أي من ذلك: عمق استراتيجي خارج الحدود، يوفره حلفاء من غير الدول يقاتلون بأسمائهم وعلى أرضهم، وتحتفظ إيران حيالهم بهامش من الإنكار.

كان حزب الله، الذي أسهم الحرس الثوري في تأسيسه عام 1982 في البقاع اللبناني، النموذج الأول والأنجح لهذه المعادلة. ومع الوقت تحوّل الارتجال إلى عقيدة متكاملة عُرفت بـ«الدفاع المتقدم»، وصارت إدارتها اختصاصًا حصريًا لفيلق القدس. وقد شكّلت هذه العقيدة، كما بيّنا في قراءتنا الشاملة لمسار حرب الظل الكبرى بين واشنطن وطهران، أحد طرفي المواجهة التي حكمت المنطقة عقدين كاملين قبل أن تنفجر على السطح.

هندسة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة: ذروة الإمبراطورية بالوكالة

بحلول عام 2020، اكتملت عمارة ما يُعرف بـ«محور المقاومة» على هيئة قوس يمتد من طهران إلى المتوسط والبحر الأحمر. في قلبه حزب الله، جوهرة التاج، بترسانة قدّرتها المصادر الغربية قبل 2023 بنحو 150 ألف صاروخ وقذيفة جعلت شمال إسرائيل رهينة دائمة. وفي العراق، نمت فصائل مسلحة مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق من فوضى ما بعد 2003، فمنحت طهران نفوذًا في بغداد وورقة ضغط على القوات الأميركية. وفي اليمن، أضاف الحوثيون بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014 ذراعًا تطل على باب المندب. أما حماس، فكانت الاستثناء السنّي الذي يثبت أن المحور يتجاوز الخطوط المذهبية، فيما وفّرت سوريا الأسد الجسر البري الذي يربط الشبكة كلها.

كانت عوائد النموذج، بمنطق التكلفة والمردود، استثنائية. فبكلفة سنوية قدّرتها مصادر غربية بمليارات قليلة — أي أقل بكثير من كلفة بناء قوة تقليدية موازية — حصلت طهران على ردع بالوكالة، وقدرة على استنزاف خصومها في ساحات بعيدة، ونفوذ سياسي في أربع عواصم عربية. وظهرت ذروة النموذج وظيفيًا بعد مقتل قاسم سليماني في 3 يناير 2020: ردّت إيران بضربة صاروخية محسوبة على قاعدة عين الأسد أُبلغ بها العراقيون سلفًا، بينما واصل الوكلاء الضغط المتدرج. امتص النظام الصدمة من دون حرب مفتوحة، وبدا أن المعادلة تعمل كما صُممت.

غير أن النموذج كان يحمل هشاشته في داخله. فقيمته الردعية كانت تقوم على غموضين: غموض ما يمكن أن يفعله حزب الله إذا هوجمت إيران، وغموض حدود المسؤولية الإيرانية عما يفعله الوكلاء. وحين قرر الخصم اختبار الغموضين بالقوة، لم يصمد أي منهما.

دفتر الخسائر: من 7 أكتوبر 2023 إلى 28 فبراير 2026

بدأ الانهيار من حيث لم يخطط له أحد. فهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 جرّ المنطقة إلى تصعيد فتح كل الجبهات دفعة واحدة، وحوّل ما كان أصلًا رصيدًا ردعيًا إلى قائمة أهداف. في 17 و18 سبتمبر 2024 فجّرت إسرائيل آلاف أجهزة الاتصال في صفوف حزب الله، وبعد عشرة أيام قُتل حسن نصر الله في قصف على الضاحية الجنوبية، فدخل الحزب وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024 وقد فقد قيادته التاريخية وجانبًا واسعًا من ترسانته. وفي 8 ديسمبر 2024 سقط نظام الأسد، فانقطع الجسر البري الذي قامت عليه الشبكة، وتقلصت حماس عسكريًا إلى بقايا تنظيم يقاتل تحت الأنقاض.

ثم جاء دور المركز. فالمواجهتان المباشرتان في أبريل وأكتوبر 2024 جرّدتا إيران من ستار الإنكار، وأثبتت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 — التي بلغت ذروتها بالضربات الأميركية على فوردو ونطنز وأصفهان في 22 يونيو — أن العمق الإيراني نفسه صار ساحة مفتوحة. وأعقب ذلك تفعيل آلية «سناباك» وإعادة فرض العقوبات الأممية في سبتمبر 2025. وحين تجدد القصف في 28 فبراير 2026 وقُتل خامنئي ومسؤولون كبار معه، كانت الدائرة قد اكتملت: العقيدة التي وُلدت كي تُبقي الحرب بعيدة عن طهران انتهت بحرب تُدار من سماء طهران، لم توقفها إلا هدنة توسطت فيها إسلام آباد في 8 أبريل 2026، ثم مذكرة يونيو.

هذا لا يعني أن الشبكة صارت صفرًا. فالحوثيون، وهم الأكثر استقلالية بين الأذرع، احتفظوا بقدرة تشغيلية معتبرة، وفصائل العراق بقيت خارج الاستهداف المباشر إلى حد كبير، وحزب الله يحاول التقاط أنفاسه في ظل وقف إطلاق نار جديد أُعلن اليوم برعاية أميركية وقطرية وبمشاركة إيرانية بعد جولة قتال لبنانية ثانية. لكن الوظيفة المركزية للمنظومة — منع ضرب إيران نفسها — سقطت سقوطًا لا لبس فيه، وهو ما فصّلناه في تحليل انكسار معادلة الردع على جبهتي لبنان وغزة. لم يردع أي وكيل الضربات على المنشآت النووية، ولا مقتل المرشد.

«معضلة طهران الثلاثية»: اختر اثنين، وادفع ثمن الثالث

يمكن اختزال الموقف الاستراتيجي الإيراني الراهن في إطار واحد نسميه «معضلة طهران الثلاثية». أمام النظام ثلاثة أهداف وجودية: استعادة الردع، وإنعاش الاقتصاد، وتأمين بقاء النظام. والقيد الحاكم بعد حرب 2026 أن أي مسار كبير يحقق اثنين منها على حساب الثالث، ولا يوجد مسار يحققها مجتمعة.

فمسار القوة الخالصة — التسلح النووي وإعادة بناء الأذرع بلا قيود — يَعِد بالردع ويطمئن الأجهزة الأمنية، لكنه يضمن خنق الاقتصاد بالحصار والعزلة، ويغامر باستدعاء جولة قصف جديدة أثبتت التجربة أنها قادرة على الوصول إلى رأس الدولة ذاته. ومسار الصفقة الشاملة — قيود نووية وإقليمية مقابل رفع العقوبات — ينقذ الاقتصاد ويشتري للنظام هدوءًا خارجيًا، لكنه يفكك هوية ردعية بُنيت عليها شرعية الحرس الثوري، ويفتح الداخل على انفتاح يخشاه المتشددون بوصفه طريقًا ناعمًا لتقويض الحكم. أما المسار الوسط — صفقة جزئية مع إعادة بناء سرية — فيحفظ شكليًا الردع والاقتصاد معًا، لكنه يضع البقاء نفسه رهن اكتشاف الخرق: وقد أثبت العامان الأخيران أن الاختراق الاستخباري لإيران عميق إلى حد يجعل السرية افتراضًا بالغ التفاؤل.

بهذا الإطار تُقرأ مذكرة 17 يونيو: إنها اختبار للركن الثاني من المثلث، تقوده حكومة مسعود بزشكيان التفاوضية، فيما يمسك الحرس الثوري بملف إعادة البناء ويحتفظ التيار المتشدد بحق النقض الفعلي. والحكم بين الأركان الثلاثة هو نظريًا وظيفة المرشد — وهنا تحديدًا تكمن المشكلة الجديدة.

الجمهورية في عهد المرشد الثالث

جرت الخلافة تحت النار وبسرعة قياسية. صبيحة 1 مارس 2026 تولى مجلس قيادة مؤقت صلاحيات المرشد وفق المادة 111 من الدستور، وضم رئيس الجمهورية بزشكيان ورئيس السلطة القضائية محسني إجئي ورئيس البرلمان قاليباف ورجل الدين علي رضا أعرافي. ثم انعقد مجلس الخبراء بين 3 و8 مارس، وأُعلن في 9 مارس اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل البالغ 56 عامًا، مرشدًا ثالثًا للجمهورية. سرعة الحسم كانت رسالة بذاتها: النظام فضّل الاستمرارية على أي تنافس علني في لحظة حرب.

لكن الثمن مؤجل لا ملغى. فتوريث الموقع لنجل المرشد يصطدم بالسردية التأسيسية لجمهورية قامت على الثورة ضد الحكم الوراثي، ومجتبى يفتقر إلى سجل حكومي علني وإلى المرجعية الدينية العليا، وقد رصدت مؤسسات بحثية غربية، من بينها مؤسسة كارنيغي، اتساع الجدل حول شرعية اختياره حتى داخل المؤسسة الدينية نفسها. مرشد بهذا العبء التأسيسي يدين ببقائه لحماية الأجهزة الأمنية، ما يعني عمليًا أن قدرته على فرض تسوية تُقلّص صلاحيات الحرس الثوري محدودة، وأن قدرته في المقابل على تحمّل انهيار اقتصادي يشعل الشارع محدودة أيضًا. الخلافة، بهذا المعنى، ليست حدثًا بروتوكوليًا بل متغير استراتيجي: فالجهة التي ستحسم خيار إيران المقبل هي توازن الفصائل حول مرشد ضعيف، بقدر ما هي الضغط الخارجي.

سيناريوهات نهاية اللعبة الثلاثة

السيناريو الأول: التحوط النووي المتسارع. تحتفظ إيران، وفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في فبراير 2026، بمخزون يقدَّر بنحو 440.9 كيلوغرامًا من سادس فلوريد اليورانيوم المخصب حتى 60% ونحو 184.1 كيلوغرامًا حتى 20%، فيما توقفت أنشطة التحقق الدولية كليًا بعد 28 فبراير. صحيح أن مسؤولين أميركيين وإيرانيين أكدوا خلال 2026 أن التخصيب لم يُستأنف، لكن العتمة الرقابية تجعل المخزون ورقة غامضة بيد طهران. الاندفاع نحو السلاح يحسم ركن الردع، غير أنه يتطلب شهورًا في منشآت مكشوفة أمام استخبارات أثبتت قدرتها على قتل المرشد في مقره، وقد فصّلنا حسابات العتبة هذه في قراءة الملف النووي الإيراني بعد ضربة فوردو. سيناريو حقيقي الاحتمال عند انهيار التفاوض، لكنه ليس المسار الافتراضي.

السيناريو الثاني: الصفقة والتطبيع التفاوضي. نافذة الستين يومًا المفتوحة حتى منتصف أغسطس هي أول إطار تفاوضي موقّع على مستوى الرئيسين منذ سنوات، وتقف خلفه بنية وساطة فاعلة من قطر وباكستان. مقايضته المفترضة: تقييد البرنامج النووي وضبط السلوك الإقليمي مقابل رفع تدريجي للعقوبات. عقباته ثلاث: الخلاف على الملاحة في هرمز، وانعدام الثقة بعد اغتيال المرشد، والمفسدون المحتملون في الطرفين. احتماله اليوم أعلى منه في أي لحظة منذ 2015، وهشاشته بالقدر نفسه.

السيناريو الثالث: إعادة البناء الصبورة. تشير تقديرات مسؤولين أميركيين إلى أن طهران ضخت لحزب الله نحو مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 رغم كل خسائرها، وتتحدث تقارير مراكز البحث، ومنها معهد واشنطن، عن خطة للحرس الثوري قوامها ثلاثية البقاء وإعادة التوليد والمواجهة المحدودة. هذا مسار عقدٍ كامل على الأقل، ولا يعيد درع ما قبل 2023 في مواجهة خصم أثبت قدرة على الضرب في أي نقطة من الشبكة.

الأرجح، قياسًا على السلوك الإيراني التاريخي، ليس اختيار سيناريو واحد بل مزجها: تفاوض علني، وإعادة بناء هادئة، وإبقاء المخزون النووي رهانًا احتياطيًا. لكن «معضلة طهران الثلاثية» تقول إن هذا المزيج غير قابل للاستدامة، وإن لحظة الاختيار الصريح — القنبلة أو الصفقة أو المحور — مؤجلة لا مُلغاة.

خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها

  • مصير إطار الستين يومًا: هل يخرج اتفاق نهائي قبل منتصف أغسطس 2026، وهل تستعيد الوكالة الدولية وصولها الرقابي إلى المنشآت؟ عودة المفتشين هي الاختبار المادي الأول لمسار الصفقة.
  • تدفقات إعادة التسليح: وتيرة ضبط الشحنات المالية والعسكرية المتجهة إلى حزب الله وفصائل العراق، وقوائم العقوبات الأميركية الجديدة على شبكات التمويل. تصاعدها يعني أن سيناريو إعادة البناء يتقدم عمليًا مهما قيل في المفاوضات.
  • تموضع المرشد الجديد: تعيينات مجتبى خامنئي في قيادة الحرس الثوري ومكتب المرشد، وطريقة حسمه أول خلاف علني بين الحكومة التفاوضية والتيار المتشدد. من هذه التفاصيل الصغيرة سيُعرف من يحكم طهران فعلًا.

أسئلة يطرحها القراء

هل انتهى ما يُعرف بمحور المقاومة نهائيًا؟

لم ينتهِ، لكنه فقد وظيفته المركزية. الحوثيون وفصائل العراق باقون، وحزب الله يملك قدرة جزئية على التجدد، غير أن المنظومة لم تعد قادرة على ما بُنيت له أصلًا: ردع الهجوم على إيران نفسها. استعادة هذه الوظيفة تحتاج عقدًا من الزمن وظروفًا إقليمية لا تبدو متاحة.

لماذا لا تندفع طهران إلى صنع القنبلة بعد كل ما جرى؟

لأن الاندفاع يستغرق شهورًا في منشآت مكشوفة أمام اختراق استخباري أثبت قدرته على الوصول إلى رأس النظام، ولأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ورقة تفاوض أثمن من سلاح غير مكتمل. القنبلة تحل معضلة الردع نظريًا، لكنها تدفن الاقتصاد وقد تستدعي الحرب التي تُنهي النظام ذاته.

ماذا يغيّر وصول مجتبى خامنئي في السياسة الخارجية الإيرانية؟

الاستمرارية المؤسسية أرجح من القطيعة، لكن مرشدًا يفتقر إلى شرعية والده يعني عمليًا وزنًا أكبر للحرس الثوري في القرار. في المقابل، أظهر توقيع مذكرة يونيو أن الضغط الاقتصادي منح التيار التفاوضي هامش حركة حقيقيًا. الاتجاه النهائي سيُقرأ في قدرة المرشد الجديد على فرض تسوية داخلية بين الطرفين، لا في خطاباته.