مساء 23 يونيو 2025، توهجت سماء الدوحة باعتراضات الدفاع الجوي. صواريخ إيرانية انطلقت نحو قاعدة العديد، أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، ردًّا على قصف فوردو قبل يوم واحد. سبق الضربةَ إنذارٌ مبكر جعلها أقرب إلى الرسالة المرمّزة منها إلى فعل الحرب، وانتهت الجولة بعدها بأيام. لكن ما بدا استثناءً عابرًا تحول إلى قاعدة: منذ اندلاع حرب فبراير 2026 استُهدفت منشآت تستضيف قوات أميركية عبر الخليج، وأصيبت منشآت نفطية سعودية، ودخل ميناء الدقم في عُمان بنك الأهداف، ثم جاء انهيار التهدئة في مطلع يوليو ليعيد الصواريخ إلى سماء خمس دول خليجية دفعة واحدة، مع إعلان طهران التحرك لإغلاق مضيق هرمز.
المفارقة الاستراتيجية هنا صارخة. العواصم الخليجية التي أمضت السنوات الثلاث الماضية تمد اليد إلى طهران — من اتفاق بكين في مارس 2023 إلى الاتصالات المنتظمة على مستوى القمة — وجدت صواريخ الجار فوق رؤوسها رغم كل ذلك. والمظلة الأميركية التي شككت في جدّيتها منذ هجوم بقيق عام 2019 كانت هي التي تعترض تلك الصواريخ. هذه معضلة التحوّط الخليجي في صورتها الأنقى: سياسة نجحت في كل شيء تقريبًا، إلا في الاختبار الذي صُممت من أجله.
يحاول هذا التحليل الإجابة عن سؤالين مترابطين: ماذا اشترى التحوّط فعلًا للرياض وأبوظبي والدوحة خلال العقد الماضي؟ وأين يقع سقفه الذي كشفته حربا 2025 و2026 — وما الذي يأتي بعده؟
جذور التحوّط: حين اهتزت الثقة بالضامن الأميركي
في 14 سبتمبر 2019، أخرجت مسيّرات وصواريخ مجنّحة استهدفت منشأتي بقيق وخريص نحو نصف الإنتاج النفطي السعودي من الخدمة مؤقتًا. جاء الرد الأميركي محدودًا إلى درجة شكلت صدمة في الرياض: الهجوم الأخطر على شرايين الاقتصاد السعودي منذ عقود لم يستدرج من الضامن الأميركي أكثر من عقوبات وتصريحات. ثم عزز الانسحاب الأميركي من أفغانستان في صيف 2021 الاستنتاج ذاته: الحماية الأميركية لم تعد تلقائية، والتزامات واشنطن باتت انتقائية ومشروطة بمزاجها الداخلي.
كان الجواب الخليجي منظومة تحوّط متكاملة، لا مجرد مناورة ظرفية. تنويع الشراكات مع بكين وموسكو، وإدارة سوق النفط عبر «أوبك+» بالتنسيق مع روسيا، وتصفير الخلافات الإقليمية بدءًا بمصالحة العلا مع قطر في يناير 2021، وصولًا إلى فتح القنوات مع طهران نفسها. الفكرة الناظمة: إذا كانت المظلة الأميركية لم تعد مضمونة، فلتُخفَّض الحاجة إليها عبر خفض التهديد من مصدره. هذا التحول الخليجي حلقة ضمن إعادة التموضع الإقليمي الأوسع التي رسمنا خريطتها الكاملة في تحليلنا الشامل لحرب الظل الكبرى بين واشنطن وطهران، وهو أنجح نماذج التكيف العربي مع تلك الحرب — إلى حين.
مصافحة بكين: ما الذي غيّرته وما الذي لم تغيّره
في 10 مارس 2023، وقّعت الرياض وطهران برعاية صينية اتفاقًا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة سبع سنوات. أعيد فتح السفارتين، وتوقفت الهجمات الحوثية على العمق السعودي التي كانت قد بلغت ذروتها بين 2019 و2022، وحصلت مشاريع «رؤية 2030» على ما تحتاجه قبل أي شيء آخر: سماء هادئة. بهذا المقياس، أدى الاتفاق وظيفته كاملة؛ فقد اشترى للرياض ثلاث سنوات من الهدوء في أشد مراحل التحول الاقتصادي حساسية.
لكن ينبغي تسمية الاتفاق باسمه التحليلي الدقيق: كان بوليصة تأمين، لا تحالفًا. لم يغيّر شيئًا في ترسانة إيران الصاروخية، ولا في مسار برنامجها النووي، ولا في شبكة وكلائها. خفّض نية الإيذاء المتبادلة، ولم يمس القدرة عليه. وقيمته الحقيقية ظهرت لاحقًا في وظيفة لم تكن معلنة يوم التوقيع: قناة اتصال في زمن الحرب. فخلال حرب 2026، كشفت تقارير غربية متطابقة أن الرياض ظلت على تواصل شبه يومي مع السفير الإيراني لديها، مؤكدة أن أراضيها وأجواءها لن تُستخدم في الهجمات على إيران، وهو الموقف الذي أعلنه ولي العهد السعودي صراحة قبيل الحرب. التحوّط لم يمنع النار، لكنه خفّض احتمالات سوء التقدير في ذروتها.
اختبار النار: من حرب 2025 إلى حرب 2026
جاء الاختبار الأول في يونيو 2025: إغلاق أجواء، تحويل ملاحة، وضربة العديد التي وضعت قطر — الشريكة مع إيران في أكبر حقل غاز في العالم — في مرمى النار المباشر. ثم جاءت صدمة من الاتجاه المعاكس في سبتمبر 2025، حين استهدفت ضربة إسرائيلية قيادات من حماس كانت تجتمع في الدوحة؛ فالتهديد هذه المرة لم يأت من الخصم الذي جرى التحوط منه، بل من أقرب حلفاء الضامن نفسه. اضطرت واشنطن إلى الترميم سريعًا بأمر تنفيذي رئاسي يمنح قطر ضمانة أمنية مكتوبة — سابقة نوعية في العلاقات الأميركية-الخليجية، وسقف جديد صارت الرياض تفاوض على مثيل له.
ثم جاءت حرب فبراير 2026 لتنقل الخليج من موقع «المنصة الخلفية» إلى موقع خط الجبهة. منذ اليوم الأول للحرب، طالت الضربات الإيرانية الانتقامية منشآت تستضيف أصولًا أميركية في أكثر من دولة خليجية، وأصيبت مصافٍ سعودية، وأمطر الحوثيون جنوب السعودية بالصواريخ، فيما تحدثت تقارير عن ضربات سعودية غير معلنة على مواقع إطلاق إيرانية وعلى فصائل مسلحة في العراق — وهي مزاعم لم تؤكدها الرياض. وثّق مركز صوفان مبكرًا هذا الانكشاف: دول الخليج عالقة في مرمى نيران حرب لم تخترها ولم تستطع منعها. وبعد توقيع «مذكرة إسلام آباد» بين الرئيسين الأميركي والإيراني في 17 يونيو 2026، بدا أن مخرجًا تفاوضيًا يتشكل؛ لكن إعلان الرئيس الأميركي في 8 يوليو أن المذكرة «انتهت»، ثم الهجمات الإيرانية التي طالت خمس دول خليجية والتحرك لإغلاق هرمز، أعادا المنطقة إلى المربع الأخطر. هذه الديناميكية ليست معزولة؛ إنها الوجه الخليجي لانهيار التوازن الإقليمي الأوسع الذي شرحناه في قراءتنا الاستشرافية لتحولات موازين القوى في الشرق الأوسط.
الورقة الصينية بحجمها الحقيقي
يستدعي أي تقييم رصين لأمن الخليج قياس الورقة الصينية بحجمها الفعلي لا الدعائي. بكين هي أكبر مشترٍ منفرد للنفط الخليجي، وهي التي رعت اتفاق 2023، وتبيع منظومات متخصصة كالمسيّرات والصواريخ البالستية قصيرة المدى. لكن سجلها في الأزمات ينطق بحدودها: لم تحرك قوة بحرية لحماية الملاحة في البحر الأحمر حين أعاد الحوثيون رسم خرائط التجارة العالمية، واكتفت سفنها بالتماس الأمان عبر تعريف هويتها. وفي حربي 2025 و2026 لم يتجاوز الفعل الصيني حدود البيانات والدعوات إلى ضبط النفس.
السبب بنيوي لا ظرفي. مصلحة الصين هي تدفق النفط بأسعار مستقرة وحياد يجنّبها كلفة الانحياز، وليس لديها لا القدرة العسكرية الفعلية في المنطقة ولا الإرادة السياسية لتوفير ضمانة أمنية تستلزم القتال. لذلك تعمل الورقة الصينية في العواصم الخليجية كأداة تفاوض ممتازة لرفع سعر الالتزام الأميركي، لا كبديل عنه. وهذا تحديدًا ما تفهمه واشنطن، وما يفسر قدرة الخليجيين على انتزاع شروط أفضل منها من دون تغيير المعسكر.
«حدود التحوّط الثلاثة»: إطار تحليلي
تسمح التجربة التراكمية بين بقيق 2019 وهرمز 2026 بصياغة إطار نسميه «حدود التحوّط الثلاثة» — ثلاثة قيود بنيوية لا تستطيع أي دبلوماسية خليجية، مهما بلغت براعتها، القفز فوقها.
الحد الأول: الجغرافيا لا تُحوَّط. المسافة بين الساحل الإيراني والعواصم الخليجية دقائق طيران للصاروخ والمسيّرة، ومنشآت الطاقة والتحلية مكشوفة بطبيعتها. يمكن للدبلوماسية أن تغيّر النوايا، لكنها لا تحرك الخرائط؛ وحين تشتعل حرب لم يخترها الخليجيون، تضعهم الجغرافيا داخل دائرة النار تلقائيًا. الحد الثاني: الردع لا يُستأجر. منظومات الاعتراض المتكاملة، والإنذار المبكر، وشبكات القيادة والسيطرة التي أسقطت الصواريخ فوق سماء الخليج في الجولات الأخيرة، أميركية التصميم والتشغيل، ولا بديل عنها في السوق لا صينيًا ولا أوروبيًا في أي أفق منظور. الحد الثالث: الوسيط ليس ضامنًا. بكين توسّطت وتشتري وتبيع، لكنها لا تقاتل؛ والفارق بين من يرعى اتفاقًا ومن يعترض صاروخًا هو جوهر الأمن في الأزمات.
النتيجة العملية ليست التخلي عن التحوّط بل إعادة معايرته. ما يتشكل الآن هو إعادة رسوّ أعمق وأهدأ على المرفأ الأميركي، لكن بشروط خليجية هذه المرة: ضمانات مكتوبة على النموذج القطري، ومفاوضات على اتفاق دفاعي أميركي-سعودي تدرس واشنطن صيغه المختلفة — من معاهدة كاملة إلى ترتيبات تنفيذية — ضمن حزمة وثّقتها تقارير خدمة أبحاث الكونغرس تربط الدفاع بالتعاون النووي المدني وبملف التطبيع. وظيفة القناة مع طهران في هذه المعادلة الجديدة محددة: خفض نية العدوان وتقليل سوء التقدير؛ أما تقييد القدرة على الإيذاء فيبقى وظيفة أميركية خالصة. التحوّط، بصيغته الناضجة، هو إدارة شروط الاعتماد على واشنطن — لا الهروب منه.
ثمن التطبيع بعد غزة
قبل 7 أكتوبر 2023، بدا التطبيع السعودي-الإسرائيلي مسألة أشهر؛ إذ كانت الرياض تفاوض علنًا على حزمة تشمل معاهدة دفاعية أميركية وبرنامجًا نوويًا مدنيًا مقابل العلاقات مع إسرائيل. جمّدت حرب غزة المسار، وصلّبت الموقف السعودي: لم يعد ممكنًا سياسيًا، أمام رأي عام عربي مشتعل، توقيع اتفاق لا يتضمن مسارًا ملموسًا نحو دولة فلسطينية. وحين فصلت إدارة ترامب في 2025 مفاوضاتها النووية مع الرياض عن شرط التطبيع، انتزع السعوديون عمليًا مكاسب الحزمة من دون كلفتها السياسية.
لم يمت المشروع؛ لكنه تغيّرت طبيعته. فمحاولات إحيائه مستمرة في واشنطن حتى منتصف 2026، غير أن التطبيع تحول في الحساب السعودي من غاية إلى ورقة: أداة لرفع سعر الضمانات الأميركية، ورافعة لانتزاع التزام فلسطيني لا تستطيع إسرائيل الحالية تقديمه. وهنا يلتقي ملف التطبيع بمنطق التحوّط ذاته — فالرياض تفاوض الجميع، وتوقّع حين ينضج السعر، لا قبل ذلك.
خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها
اتجاه العلاقة الخليجية بين واشنطن وطهران خلال العام المقبل يمكن رصده عبر ثلاثة مؤشرات محددة:
- شكل الاتفاق الدفاعي الأميركي-السعودي: معاهدة تمر عبر الكونغرس أم أمر تنفيذي على النموذج القطري؟ الفرق بينهما هو الفرق بين ضمانة مؤسسية دائمة وضمانة شخصية قابلة للنقض مع كل إدارة — وهو أدق مقياس لعمق إعادة الرسوّ على المرفأ الأميركي.
- إيقاع القنوات الخليجية-الإيرانية: استمرار اتصالات وزيري خارجية السعودية وإيران وبقاء السفارتين عاملتين خلال جولات التصعيد مقياس لمتانة التأمين الدبلوماسي؛ انقطاعهما إنذار مبكر بانزلاق الخليج من ساحة الوساطة إلى ساحة المواجهة.
- مسار التطبيع السعودي-الإسرائيلي: أي تحريك جدي له سيعني أن الرياض حصلت على سعرها الأمني من واشنطن، وأن الملف الفلسطيني وجد صيغة قابلة للحياة؛ وبقاؤه مجمدًا يعني أن أولوية الرياض ما زالت إدارة الحرب لا هندسة السلام.
أسئلة يطرحها القراء
لماذا لا تستبدل دول الخليج الصين بالولايات المتحدة؟
لأن ما تحتاجه في لحظة الخطر لا تبيعه بكين. الضمانة الأمنية تستلزم قدرة عسكرية منتشرة وإرادة قتال، والصين لا تملك في الخليج الأولى ولا تريد الثانية؛ فمصلحتها هي الحياد الذي يؤمّن تدفق النفط. تعمل الورقة الصينية أداة تفاوض لتحسين شروط العلاقة مع واشنطن، ولا يمكنها أن تكون بديلًا عن المظلة الأميركية في أي أفق منظور.
هل حمى اتفاق بكين السعوديةَ فعلًا؟
جزئيًا. أوقف الهجمات الحوثية على العمق السعودي لسنوات، ووفر قناة اتصال خفّضت سوء التقدير خلال حربي 2025 و2026، وأبقى الرياض خارج دائرة الاستهداف الأشد. لكنه لم يمنع إصابة منشآت نفطية سعودية ولا صواريخ الحوثيين في الجولة الأخيرة. الخلاصة التحليلية: الاتفاق خفّض نية الإيذاء ولم يمس القدرة عليه، وهذه هي حدود أي تحوّط دبلوماسي مع جار مسلح.
هل انتهى مشروع التطبيع السعودي-الإسرائيلي؟
لم ينته، لكنه تحول من مسار متسارع إلى ورقة مؤجلة مشروطة. الرياض تشترط اليوم مسارًا ملموسًا نحو دولة فلسطينية وثمنًا أمنيًا أميركيًا أعلى، وكلاهما غير متاح في بيئة الحرب الراهنة. استئناف المسار سيكون مؤشرًا متأخرًا على استقرار إقليمي أوسع، لا صانعًا له.