في 17 يونيو 2026 وُضع توقيعان على وثيقة واحدة تفصل بينهما آلاف الكيلومترات: وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فرنسا، ووقّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طهران، مذكرة تفاهم يُفترض أن تُنهي خلال ستين يومًا حربًا اندلعت في 28 فبراير وقُتل في ساعاتها الأولى مرشد الجمهورية الإسلامية نفسه، علي خامنئي. لم يجلس الرجلان إلى طاولة واحدة، ولم تلتقِ أعينهما، ومرّت الوثيقة بين العاصمتين عبر وسطاء. ومع ذلك قيل يومها إن الحرب انتهت.
المفارقة أن الوثيقة التي أُريد لها أن تطوي الحرب لم تحسم سببًا واحدًا من أسبابها. مخزون اليورانيوم العالي التخصيب ما زال في مكان لا يعرفه أحد خارج إيران على وجه اليقين، والمفتشون الدوليون ما زالوا خارج المنشآت المضروبة، ومضيق هرمز يُفتح ويُغلق بقرار، وجبهة لبنان تشتعل وتخبو رغم وقف النار المعلن منذ أبريل. وبعد أحد عشر يومًا فقط من التوقيع، في 28 يونيو، ضربت إسرائيل أهدافًا في لبنان في اختبار مبكر لصلابة الترتيبات الجديدة. الحرب لم تنتهِ؛ جرى تعليقها على مسمار قابل للسقوط.
هذا المقال لا يتنبأ بموعد الجولة المقبلة، فذلك ادّعاء لا يملكه أحد. ما يفعله شيء آخر: تطبيق منهج صريح لتحليل مسارات التصعيد على خمس نقاط اشتعال محددة، لكل منها سلّمها الخاص ومخارجها الخاصة، بحيث يستطيع القارئ أن يراقب بنفسه الإشارات التي تسبق النار — كما كان يمكن لمن راقبها في يناير 2026 أن يقرأ ملامح فبراير قبل وقوعه.
لماذا يفشل التنبؤ ولا يفشل تحليل المسارات
التنبؤ في الشؤون الاستراتيجية ادّعاء معرفة بنقطة واحدة في المستقبل: تاريخ، حدث، نتيجة. وهو يفشل بانتظام لأن القرار الحربي يمرّ عبر عقول أفراد وتحالفات داخلية وصدف ميدانية لا تخضع لنموذج. أما تحليل المسارات فادّعاء أكثر تواضعًا وأكثر فائدة: رسم خريطة شرطية للطرق التي يمكن أن تُفضي من الوضع الراهن إلى المواجهة، ثم مراقبة أي الطرق بدأت أقدام اللاعبين تسلكها فعلًا.
المنهج الذي نعتمده هنا — ونسميه «سلسلة المسار الرباعية» — يفكك كل نقطة اشتعال إلى أربعة عناصر: الفاعل الذي يملك قرار الضغط على الزناد، والزناد نفسه أي الحدث المحدد القادر على إطلاق التسلسل، وسلّم التصعيد أي الدرجات المتوقعة من الاحتكاك الأول إلى المواجهة المفتوحة، والمخرج أي النقطة التي يمكن عندها للطرفين النزول عن السلّم بكلفة محتملة. حين تغيب المخارج أو تضيق، يصبح المسار خطرًا حتى لو لم يُرِد أحد الحرب.
حرب فبراير 2026 نفسها تصلح دليلًا على جدوى هذا المنهج. من كان يراقب المؤشرات في خريف 2025 — عودة العقوبات الأممية بعد تفعيل الترويكا الأوروبية آلية «سناب باك» في سبتمبر، وانقطاع التفتيش الدولي عن المنشآت النووية منذ ضربات يونيو، وتصلّب الخطاب في واشنطن وتل أبيب حيال «برنامج أعمى لا رقابة عليه» — كان يرى مسارًا يضيق مخرجه شهرًا بعد شهر. لم يكن أحد يعرف أن الضربة ستقع فجر 28 فبراير وأنها ستطال المرشد شخصيًا، لكن المسار ذاته كان مرسومًا. وهذه هي الفكرة الناظمة التي فصّلناها في تحليلنا الشامل لحرب الظل الكبرى ومستقبل المواجهة حتى 2030: المنطقة لا تفاجئ من يقرأ اتجاه السلالم، بل من ينتظر التواريخ.
من ضربات فوردو إلى مذكرة الستين يومًا: خريطة اللحظة
لا يمكن وزن نقاط الاشتعال المقبلة من دون تثبيت التسلسل الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة. في يونيو 2025 خاضت إسرائيل وإيران حرب الأيام الاثني عشر، وتوّجتها الولايات المتحدة بضرب منشآت فوردو ونطنز وأصفهان بالقنابل الخارقة للتحصينات. خرجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إيران، وعادت العقوبات الأممية في سبتمبر، ودخل الملف النووي طور العتمة الكاملة الذي نحلله في قراءتنا المفصلة للملف النووي الإيراني بعد فوردو.
ثم جاء 28 فبراير 2026: حملة جوية أميركية-إسرائيلية جديدة على إيران، قُتل فيها المرشد علي خامنئي ضمن سلسلة استهدافات لرأس الهرم، فردّت طهران بضرب قواعد أميركية في الإقليم وأهداف في إسرائيل ودول مجاورة، وأغلقت مضيق هرمز بالتحذيرات والألغام البحرية واعتراض السفن التجارية. في 9 مارس أُعلن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مرشدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية. وفي 2 مارس كانت جبهة لبنان قد انفجرت حربًا كاملة بين إسرائيل وحزب الله، شملت اجتياحًا بريًا وخلّفت — وفق حصيلات معلنة — أكثر من أربعة آلاف قتيل في لبنان وما يزيد على مليون مهجّر.
بعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال جاء وقف النار الأول في 7 و8 أبريل، ثم تعثّر: تجددت الضربات الإسرائيلية في لبنان، وامتنعت طهران عن إعادة فتح المضيق، وفشلت محادثات إسلام آباد في منتصف أبريل، ولجأت واشنطن إلى الضغط البحري قبل أن يُمدَّد وقف النار في 21 أبريل إلى أجل غير مسمى. وفي 14 يونيو أُعلنت مذكرة التفاهم التي وُقّعت بعدها بثلاثة أيام، وتبعها في 22 يونيو إعفاء أميركي جزئي من عقوبات النفط لمدة ستين يومًا وُصف في واشنطن بأنه مكافأة على «محادثات مشجعة»، بحسب ما نقلته تغطية الجزيرة لرفع العقوبات الجزئي. لكن البنود الأصعب — مصير مخزون اليورانيوم، وعودة المفتشين إلى المواقع المضروبة، والأصول المجمدة — أُحيلت كلها إلى «الاتفاق النهائي»، كما توثّق إحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني حول وقف النار والمحادثات النووية. وكل بند مؤجَّل في المذكرة هو، بلغة منهجنا، مسار تصعيد كامن ينتظر زناده.
نقاط الاشتعال الخمس: سلالم التصعيد ومخارجها
نطبّق الآن سلسلة المسار الرباعية على النقاط الخمس التي تتقاطع عندها القدرة والدافع وضيق المخارج. الترتيب لا يعكس أولوية زمنية؛ فالمسارات تتغذى بعضها من بعض، واشتعال واحدة يرفع حرارة الأخريات.
أولًا: الملف النووي — مخزون غائب ومفتشون على الباب
الفاعلان هنا واشنطن وطهران مباشرة، ومعهما إسرائيل كطرف قادر على الفعل المنفرد. الزناد المرجّح ليس قرارًا إيرانيًا معلنًا بصنع سلاح، بل حدث استخباري: رصد نشاط تخصيب متجدد، أو نقل مواد من موقع إلى آخر، أو انهيار التفاوض على عودة المفتشين. المدير العام للوكالة الدولية رافائيل غروسي قال في 24 يونيو إن مفتشيه سيدخلون مواقع التخصيب بموجب الاتفاق المؤقت، فردّ نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بأن الوصول إلى المواقع المضروبة والمواد النووية «يُبحث حصرًا في إطار الاتفاق النهائي». هذه الفجوة بين قراءتين للنص نفسه هي أخطر ما في المذكرة. سلّم التصعيد: تسريب استخباري، فإنذار، فضربة «استباقية» على موقع مشتبه به، فرد إيراني على منشآت أو قواعد. المخرج: صفقة تخرج المخزون العالي التخصيب من إيران أو تضعه تحت ختم دولي — وهو المخرج الذي تتفاوض عليه العواصم في نافذة الستين يومًا الجارية.
ثانيًا: مضيق هرمز — الممر الذي صار سلاحًا
أثبتت طهران بين فبراير وأبريل أن إغلاق هرمز لم يعد تهديدًا نظريًا: تحذيرات ملاحية، وألغام، وصعود إلى ظهر ناقلات. الفاعل هنا الحرس الثوري تحديدًا، وقيادته البحرية تملك هامش مبادرة يجعل الزناد قابلاً للسحب من مستوى أدنى من القيادة العليا — احتكاك بين زورق وسفينة حربية، أو تفتيش يتحول إلى تبادل نار. سلّم التصعيد قصير الدرجات: حادثة ملاحية، فمرافقة عسكرية للسفن، فاشتباك، فإعادة إغلاق، فحملة أميركية على القدرات الساحلية الإيرانية. المخرج المتاح: قناة خفض تصعيد بحرية دائمة وربط فتح المضيق بمكاسب اقتصادية ملموسة، على غرار إعفاء النفط الجاري. لكن ينبغي قول الحقيقة كاملة: كلفة الإغلاق على إيران نفسها — التي تصدّر نفطها عبر الممر ذاته — هي الرادع الأهم، وهي أيضًا ما يجعل الإغلاق، حين يقع، إشارة إلى أن طهران تقاتل بظهرها إلى الجدار.
ثالثًا: العراق — خمسمئة هجوم تحت السقف
منذ أواخر فبراير أُحصي ما يزيد على خمسمئة هجوم انطلق من الأراضي العراقية أو استهدف مواقع فيها، غالبيتها منسوبة إلى فصائل مسلحة متحالفة مع إيران، فيما أعلن الحشد الشعبي أن الغارات الأميركية طالت عشرات من مقاره في محافظات عدة. الفاعل هنا مركّب: فصائل تتفاوت درجات ارتباطها بطهران، وبعضها يبحث عن دور محلي يتجاوز التعليمات. الزناد النمطي: هجوم يوقع قتلى أميركيين، فيفرض على واشنطن ردًا يتجاوز قواعد الاشتباك المعتادة. سلّم التصعيد: قصف متبادل داخل العراق، فاستهداف أميركي لضباط إيرانيين على الأراضي العراقية، فانهيار موقع بغداد التوازني وانزلاق البلد إلى ساحة مواجهة أولى. المخرج: المسار الحكومي العراقي لنزع سلاح الفصائل أو ضبطه، وهو مسار يتعثر كلما اشتدت المواجهة الإقليمية، إذ يطالب المتشددون بجدولة انسحاب القوات الأميركية ثمنًا لأي نزع سلاح.
رابعًا: البحر الأحمر — الحليف الذي لا يُمسَك
أعلن الحوثيون في 28 فبراير استئناف هجماتهم ردًا على الحملة الجوية على إيران، ثم جددوا في يونيو حظرهم على السفن المرتبطة بإسرائيل، ولوّح قائد فيلق القدس بـ«حزام أمني» يمتد من هرمز إلى باب المندب في أول صياغة علنية لعقيدة ممرات موحدة لدى ما يُعرف بـ«محور المقاومة». خصوصية هذا المسار أن الفاعل فيه أكثر أطراف المحور استقلالًا عن طهران، وقد فصّلنا اقتصاده وقدرته على الامتصاص في تحليلنا لمعركة الممرات والبحر الأحمر. الزناد قد يكون صاروخًا يصيب سفينة أميركية فيقتل بحّارة، أو غرق ناقلة يفرض تدخلًا دوليًا. السلّم: حملة جوية غربية جديدة على اليمن، فاستنزاف مكلف بلا حسم كما في جولتي 2024 و2025، فضغط على طهران بوصفها «المسؤول بالوكالة» حتى لو لم تأمر بالهجوم. وهنا مكمن الخطر المنهجي: مسار يمكن أن يجرّ واشنطن وطهران إلى مواجهة لم يقرراها معًا. المخرج: فك الارتباط بين جبهة اليمن والتفاوض النووي، وهو ما لم ينجح أحد في هندسته حتى الآن.
خامسًا: جبهة لبنان — وقف نار بلا قواعد
حرب مارس وأبريل في لبنان انتهت بوقف نار في 16 أبريل، لكنه وقف نار بلا غرفة قواعد مشتركة: إسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية الضربات الوقائية، وحزب الله — الذي رفض في 4 يونيو خطة لوقف نار موسّع — يعيد ترميم ما يستطيع من بنيته وقدراته الصاروخية. الزناد المحتمل: ضربة إسرائيلية توقع قيادات أو مدنيين بأعداد كبيرة، أو رصد إسرائيلي لعملية نقل نوعية تعيد بناء ترسانة النار الدقيقة التي شرحنا معادلتها في تحليلنا لتوازن النار والصواريخ والمسيّرات. السلّم: جولة قصف متبادل، فحملة جوية واسعة، فضغط على طهران للتدخل حفاظًا على آخر أذرعها الغربية، فتوسّع إقليمي. المخرج: مسار نزع السلاح شمال الليطاني وجنوبه ضمن صفقة أميركية-لبنانية تقايض السلاح بإعادة الإعمار — مخرج قائم نظريًا، ومجمّد عمليًا ما دام الملف الإيراني الأكبر معلقًا.
المسرّعات العابرة: سوء التقدير والانتخابات والخلافة
فوق المسارات الخمسة تعمل ثلاثة مسرّعات لا تنتمي إلى نقطة بعينها لكنها تضغط عليها جميعًا. أولها سوء التقدير البنيوي: نصف الفاعلين في هذه الخريطة ليسوا دولًا، وسلاسل قيادتهم غير شفافة حتى لحلفائهم، ما يعني أن رسائل الردع تصل مشوَّشة وأن «الضربة المضبوطة» قد تُقرأ إعلان حرب. حرب فبراير بدأت أصلًا بقرار استهداف لرأس النظام بُني على افتراض أن الرد سيكون محدودًا؛ وكان التقدير خاطئًا بكلفة إغلاق ممر يمرّ عبره خُمس نفط العالم.
ثاني المسرّعات التقويم السياسي الأميركي: انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 تجعل البيت الأبيض أكثر حساسية لصورة «الصفقة» و«الحزم» معًا، فيتأرجح الموقف التفاوضي بين الإغراء والوعيد بإيقاع يربك الطرف المقابل. وثالثها معضلة الخلافة في طهران: المرشد الجديد مجتبى خامنئي تسلّم موقعه في ذروة حرب، وشرعيته الداخلية ما زالت قيد التثبيت، وصلته الوثيقة بالحرس الثوري تجعل كلفة الظهور بمظهر المتنازل أعلى عليه من كلفتها على أبيه. نظام يتفاوض وهو يعيد بناء رأسه لا يملك مرونة القرار التي تتطلبها المخارج الآمنة.
هذه المسرّعات، مجتمعة، تفسّر لماذا لا يكفي أن تكون نوايا الطرفين الرئيسيين متجهة إلى التهدئة. في بنية كهذه، تكون الحرب القادمة في الغالب حربًا لم يخترها أحد بكامل وعيه — وهو تحديدًا ما يجعل مراقبة المؤشرات المبكرة عملًا استراتيجيًا لا ترفًا تحليليًا.
خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها
نختم بلوحة المؤشرات، وهي الجزء الذي نوصي القارئ بالعودة إليه دوريًا. المؤشر الجيد ثلاثي الصفات: قابل للرصد من مصادر مفتوحة، ومتقدم زمنيًا على الحدث الذي ينذر به، ومرتبط بمسار محدد لا بمزاج عام. على ساعة الستين يومًا التي بدأت في 17 يونيو، هذه هي الشاشات الخمس التي نراقبها:
- شاشة الملف النووي: هل يدخل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية موقعًا مضروبًا واحدًا على الأقل قبل انقضاء المهلة في منتصف أغسطس؟ دخولهم يعني أن تفسير طهران للمذكرة قد لان؛ وبقاء الخلاف على «الاتفاق النهائي» يعني أن أخطر المسارات ما زال مفتوحًا. يُراقب أيضًا أي حديث عن نقل مخزون اليورانيوم إلى طرف ثالث — فهذا، إن حدث، أقوى إشارة تهدئة منذ 2015.
- شاشة الممرات: عدد العبورات اليومية في هرمز وباب المندب مقارنة بمستويات ما قبل فبراير، وأقساط التأمين البحري على الرحلات الخليجية. ارتفاع الأقساط يسبق عادة الحوادث المعلنة، لأن شركات التأمين تشتري المعلومة قبل الجمهور. أي حادثة اعتراض أو تلغيم جديدة بعد توقيع المذكرة ستكون اختبارًا مباشرًا لبقائها.
- شاشة العراق: إيقاع الهجمات على المواقع الأميركية أسبوعيًا، ومصير مشروع نزع سلاح الفصائل في بغداد. تباطؤ الهجمات مع تقدم التفاوض يؤكد فرضية الضبط الإيراني؛ استمرارها رغم التفاوض يرجّح فرضية استقلال الفصائل، وهي الفرضية الأخطر لأن مخارجها أضيق.
- شاشة لبنان: وتيرة الضربات الإسرائيلية بعد 28 يونيو، وأي تقدم في مسار مقايضة السلاح بإعادة الإعمار، وخطاب حزب الله حيال وقف النار الموسّع الذي رفضه في يونيو. عودة الاغتيالات النوعية ستعني أن إسرائيل قررت استثمار تفوقها قبل أي تسوية.
- شاشة الساعة الدبلوماسية: تجديد الإعفاء النفطي الأميركي عند انقضاء أيامه الستين أو تركه ينقضي، وتحرك الوسطاء بين العاصمتين، ولغة البيت الأبيض عن «المحادثات المشجعة». في تجربة السنوات الأخيرة، كانت العقوبات لا الصواريخ هي ميزان الحرارة الأدق لنيات واشنطن.
القاعدة الجامعة: راقب المخارج لا السلالم. التصعيد اللفظي والضربات المحدودة جزء من إيقاع المنطقة المعتاد؛ أما انسداد مخرج — انهيار مفاوضات المفتشين، انقضاء الإعفاء بلا تجديد، تجميد مسار بغداد — فهو الإنذار الحقيقي بأن أحد المسارات الخمسة بدأ رحلته نحو أعلى السلّم.
أسئلة يطرحها القراء
هل انتهت الحرب فعلًا بمذكرة يونيو 2026؟
لا. المذكرة وثيقة إطارية حددت مهلة ستين يومًا للتفاوض على القضايا الجوهرية — مصير مخزون اليورانيوم، وعودة التفتيش، ورفع العقوبات، والأصول المجمدة — ولم تحسم أيًا منها. ما هو قائم اليوم وقف نار مشروط بتقدم تفاوضي، وقد تعرض لاختبارات مبكرة في لبنان خلال أيامه الأولى. التوصيف الأدق: هدنة قيد التفاوض، لا سلام.
ما أخطر نقاط الاشتعال الخمس؟
بمعيار اتساع النتائج، الملف النووي بلا منازع، لأن سلّمه يقود مباشرة إلى مواجهة الدولتين لا الوكلاء. لكن بمعيار احتمال الوقوع، مساران يتقدمان: هرمز، لأن قرار الاحتكاك فيه موزّع على مستويات قيادة دنيا، والبحر الأحمر، لأن الفاعل فيه لا يخضع لضبط كامل من طهران. أخطر السيناريوهات هو تقاطعها: حادثة بحرية تنسف مفاوضات نووية.
ما الفرق بين هذا التحليل والتنبؤ بالحرب؟
التنبؤ يقول «ستقع الحرب في التاريخ الفلاني»، وهو قول لا يستند إلى علم. تحليل المسارات يقول «إذا انسد المخرج الفلاني وسُحب الزناد الفلاني، فالتسلسل المرجح هو كذا»، ثم يمنحك مؤشرات قابلة للرصد لتعرف أي الاحتمالات يتقدم. الأول يصادر المستقبل؛ والثاني يعلّمك قراءته أولًا بأول — وهذه هي وظيفة التحليل الاستراتيجي أصلًا.