قبيل فجر 22 يونيو 2025، أفرغت قاذفات B-2 الأميركية حمولتها من القنابل الخارقة للتحصينات فوق جبل قرب مدينة قم يخفي في جوفه منشأة فوردو للتخصيب، ضمن عملية أُطلق عليها اسم «مطرقة منتصف الليل» وشملت أيضًا نطنز وأصفهان. وُصفت العملية يومها بأنها أكبر ضربة وُجهت إلى برنامج نووي في التاريخ، وأعلن الرئيس الأميركي أن المنشآت «مُحيت». كان ذلك قبل ثلاثة عشر شهرًا.

اليوم، في منتصف يوليو 2026، تبدو الحصيلة على غير ما توحي به لغة الإعلانات. العالم يعرف عن البرنامج النووي الإيراني أقل مما عرفه في أي وقت منذ انكشافه عام 2002: لا مفتشين في المنشآت المضروبة، ولا حصر مستقلًا لمخزون يورانيوم عالي التخصيب تُقدَّر كتلته بمئات الكيلوغرامات، ولا إجابة موثوقة عن سؤال بسيط ظاهريًا — أين هو؟ وبين الضربة والحصيلة وقعت حرب ثانية في فبراير 2026 قُتل فيها المرشد علي خامنئي نفسه، وانتهت إلى مذكرة تفاهم وُقّعت في 17 يونيو ثم أعلن الرئيس الأميركي في 8 يوليو أن وقف النار المرتبط بها «انتهى»، مع إبقاء باب المحادثات مفتوحًا.

هذه هي المفارقة التي يقوم عليها هذا التحليل: الضربات دمّرت بنية تحتية ولم تحسم شيئًا استراتيجيًا. حوّلت برنامجًا مراقَبًا — ولو جزئيًا — إلى برنامج معتم بالكامل. والسؤال الذي سيحكم المنطقة حتى 2030 هو ما إذا كانت هذه العتمة ستتصلّب قرارًا بالسلاح، أم ستُصرف ورقةَ تفاوض في اتفاق جديد.

عشرون عامًا في خمسة فصول

الفصل الأول فصل الانكشاف: في أغسطس 2002 كشفت معارضة إيرانية في الخارج عن منشأة تخصيب سرية في نطنز، فدخل الملف طور المواجهة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن، وتراكمت العقوبات، وجرّبت واشنطن وإسرائيل السلاح السيبراني في هجوم «ستوكسنت» عام 2010، ثم انكشفت منشأة فوردو المدفونة عام 2009 لتؤكد أن البرنامج بُني أصلًا على افتراض التعرض للقصف.

الفصل الثاني فصل الاتفاق: في يوليو 2015 وُقّعت خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، وكانت جوهرها مقايضة دقيقة: سقف تخصيب عند 3.67%، ومخزون لا يتجاوز 300 كيلوغرام، وتحويل فوردو إلى مركز أبحاث، ورقابة موسّعة بموجب البروتوكول الإضافي — مقابل رفع العقوبات. عاش الاتفاق ثلاث سنوات كاملة قبل أن يفتتح الانسحاب الأميركي في مايو 2018 الفصل الثالث: «الضغط الأقصى» من جهة، وخفض الالتزامات الإيراني المتدرج من جهة أخرى بدءًا من 2019.

الفصل الرابع فصل العتبة: بعد تفجير نطنز في أبريل 2021 رفعت طهران التخصيب إلى 60% — وهي نسبة لا تفسير مدنيًا مقنعًا لها، وتبعد عن درجة السلاح خطوة تقنية قصيرة. وفي 12 يونيو 2025 أعلن مجلس محافظي الوكالة، للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، أن إيران مخلّة بالتزامات الضمانات. بعدها بيوم واحد بدأت إسرائيل حرب الأيام الاثني عشر، لتفتتح الضربات الأميركية على فوردو ونطنز وأصفهان الفصل الخامس — الفصل الذي ما زلنا داخله، والذي شهد عودة العقوبات الأممية عبر آلية «سناب باك» في سبتمبر 2025، ثم حرب فبراير 2026 التي حللنا مساراتها الإقليمية في تحليلنا الشامل لحرب الظل الكبرى. العبرة المنهجية من الفصول الخمسة واحدة: كل محاولة لحسم الملف بأداة واحدة — عقوبات وحدها، أو اتفاق وحده، أو قوة وحدها — أنتجت الفصل التالي بدل أن تنهي الكتاب.

ما الذي دمّرته الضربات — وما الذي لا نعرفه

لنبدأ بما يمكن قوله باطمئنان. الضربات ألحقت ضررًا جسيمًا بقاعات أجهزة الطرد المركزي في نطنز وفوردو وبمنشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان؛ فأجهزة الطرد آلات فائقة الحساسية تتعطل بالاهتزاز قبل أن يصيبها الركام. وفقدت إيران، إلى جانب البنية، عشرات العلماء والضباط في حملتي 2025 و2026. من زاوية هندسية صرفة، تأخّر البرنامج سنوات لا أشهرًا.

لكن الأمانة التحليلية تفرض تحديد ما لا نعرفه، وهو أوسع مما نعرف. لا نعرف كم جهاز طرد سليمًا خارج المواقع المضروبة، ولا نعرف مصير المخزون العالي التخصيب: طهران أوحت بأنه نُقل قبل الضربات، وواشنطن شككت، ولا يملك طرف ثالث دليلًا حاسمًا. آخر حصر فعلي للوكالة الدولية يعود إلى ما قبل ضربات يونيو 2025، وتقريرها الصادر في 27 فبراير 2026 يحمل تقديرات لا قياسات: نحو 440.9 كيلوغرام من سادس فلوريد اليورانيوم المخصّب حتى 60%، ونحو 184.1 كيلوغرام حتى 20%، مع إقرار صريح بأن الوكالة فقدت «استمرارية المعرفة» بمواد ومواقع عدة. والمعرفة الأهم — المعرفة المتراكمة في عقول المهندسين وأرشيفات التصميم — لا تُقصف أصلًا.

هذا هو جوهر الحصيلة: الضربات اشترت وقتًا وباعت وضوحًا. وكل تقييم يتجاوز هذه الجملة إلى أرقام قاطعة عن «سنوات التأخير» أو «أسابيع الاختراق» ينبغي التعامل معه بوصفه موقفًا تفاوضيًا لا حقيقة فنية.

العتمة: كيف انهار نظام الرقابة

غادر مفتشو الوكالة إيران بنهاية يونيو 2025 لأسباب أمنية، ثم شرّع البرلمان الإيراني تعليق التعاون، فصار البرنامج الأكثر إثارة للجدل في العالم بلا عيون مستقلة عليه. جرت محاولة ترميم عبر تفاهم وُقّع في القاهرة في سبتمبر 2025 بين طهران والوكالة، لكنه انهار عمليًا بعد عودة العقوبات الأممية في الشهر نفسه.

الصورة منذ ذلك الحين رمادية لا سوداء، والدقة هنا واجبة. سمحت إيران بزيارات محدودة للمنشآت غير المضروبة — دخل المفتشون مثلًا منشأة لتخزين النفايات في كرج يومي 14 و15 فبراير 2026 — لكنها لم تقدّم أي إعلانات أو وصول يخص المنشآت التي طالتها الضربات، وفق ما توثقه تقارير مجلس محافظي الوكالة. وحين قال المدير العام رافائيل غروسي في 24 يونيو 2026 إن مفتشيه سيدخلون مواقع التخصيب بموجب الاتفاق المؤقت، ردّ نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي بأن الوصول إلى المواقع المضروبة والمواد النووية يُبحث «حصرًا في إطار الاتفاق النهائي» مع واشنطن، بحسب تغطية الجزيرة للخلاف.

المعنى الاستراتيجي لهذا الخلاف أكبر من ظاهره الإجرائي. طهران حوّلت الرقابة نفسها — التي كانت في منطق خطة العمل الشاملة المشتركة التزامًا دائمًا — إلى سلعة تفاوضية تُباع بالتقسيط: وصول جزئي مقابل إعفاء نفطي، ووصول كامل مقابل اتفاق نهائي. وهي مقايضة تعلمتها من خصمها؛ فكما جعلت واشنطن رفع العقوبات ورقة قابلة للسحب، جعلت طهران الشفافية ورقة قابلة للحجب. النتيجة أن أدق ملفات العالم حساسية يُدار اليوم بمعلومات يقلّ يقينها كل شهر، بينما تتقدم مواقف التفاوض المبنية عليها كأنها يقين.

حساب الاختراق: الأرقام التي يتفاوض عليها العالم

يحتاج القارئ غير المتخصص إلى ثلاث حقائق فيزيائية ليقرأ هذا الملف بلا وساطة. الأولى أن جهد التخصيب ليس خطًا مستقيمًا: اليورانيوم الطبيعي يحوي 0.7% فقط من النظير الانشطاري، والصعود به إلى 3.67% يستهلك القسم الأعظم من العمل الفاصل، بحيث إن من بلغ 60% يكون قد قطع نحو تسعة أعشار الطريق إلى درجة السلاح البالغة نحو 90%. لهذا كان سقف الاتفاق النووي منخفضًا إلى هذا الحد، ولهذا كانت الـ60% إقامة مقصودة على حافة العتبة.

الثانية وحدة القياس: تُعرّف الوكالة الدولية في معجم الضمانات «الكمية المعتبرة» بأنها المقدار الذي لا يمكن استبعاد صنع جهاز تفجيري نووي دونه — 25 كيلوغرامًا من اليورانيوم-235 المحتوى في يورانيوم عالي التخصيب. وبحسابات معاهد متخصصة، بينها معهد العلوم والأمن الدولي، فإن نحو أربعين كيلوغرامًا من مادة الـ60% تكفي — بعد استكمال تخصيبها — لكمية معتبرة واحدة. فإذا صحّت تقديرات المخزون المذكورة أعلاه، ففي حوزة طهران نظريًا مادة تكفي، بعد رفع تخصيبها، لنحو عشرة رؤوس.

الثالثة، وهي الأهم والأكثر إغفالًا: زمن الاختراق ليس زمن القنبلة. الاختراق — إنتاج ما يكفي من يورانيوم بدرجة سلاح — كان يُقاس قبل الضربات بأسابيع قليلة. أما التسليح، أي تحويل المادة إلى رأس متفجر قابل للحمل على صاروخ، فتقدّره الأوساط الاستخبارية الغربية بما يتراوح بين عام وأكثر. وبعد الضربات صار للمعادلة كلها هوامش خطأ هائلة في الاتجاهين: قدرة التخصيب المتبقية مجهولة، لكن المخزون المجهول المكان قائم أيضًا. من يقول لك اليوم إن إيران «على بعد أسبوعين من القنبلة» أو إنها «تأخرت عقدًا» يبيعك، في الحالين، يقينًا لا يملكه أحد.

سيناريوهات النهاية: القنبلة أو الصفقة أو العتبة الدائمة

نسمّي مجموعة السيناريوهات هذه «مثلث ما بعد فوردو»، وأضلاعه ثلاثة. الضلع الأول القنبلة: قرار إيراني بالاندفاع نحو السلاح، تسنده حجة داخلية اكتسبت وزنًا بعد اغتيال المرشد نفسه — وهي أن الردع التقليدي والوكلاء لم يحميا النظام، كما فصّلنا في تحليلنا لتفكك الاستراتيجية الإيرانية وخيارات ما بعد الوكلاء. يقيّد هذا الضلعَ خطرُ الانكشاف: اختراق مكشوف يعني حربًا وقائية جديدة قبل اكتمال السلاح، والنظام الذي دفع كلفة حربين في عام واحد يدرك ذلك.

الضلع الثاني الصفقة: تسوية تُخرج المخزون العالي التخصيب من إيران أو تضعه تحت ختم دولي، وتعيد المفتشين، مقابل رفع عقوبات وضمانات. مذكرة 17 يونيو 2026 كانت أول هيكل جدي لهذا الضلع منذ 2015، لكن مصيرها بعد إعلان 8 يوليو يذكّر بأن الصفقة تحتاج إلى أكثر من نص: تحتاج إلى طرفين يثق كلاهما بأن الآخر لن يجعل توقيعه ورقة ضغط لاحقة، وهي الثقة التي دمّرها الانسحاب الأميركي من الاتفاق السابق عام 2018 ثم ضربات 2025 خلال مفاوضات كانت جارية.

الضلع الثالث، وهو الأرجح ما لم يُحسم غيره، العتبة الدائمة: لا قنبلة معلنة ولا اتفاق كامل، بل إقامة ممتدة في الغموض — مخزون مخفي، وقدرات متناثرة، ورقابة جزئية متقطعة، وجولات قصف وتفاوض تتعاقب. هذا السيناريو يشبه إسرائيل في غموضها النووي من زاوية واحدة فقط، ويختلف عنها في الجوهر: غموض طهران مطارَد لا مسلَّم به، وكل دورة شك فيه قابلة للانفجار حربًا، على النحو الذي رسمنا سلالمه في تحليلنا لمسارات الحرب القادمة ونقاط الاشتعال. العتبة الدائمة ليست استقرارًا؛ إنها تأجيل مسلّح للسؤال.

خلاصة استشرافية: مؤشرات ينبغي مراقبتها

  • بوابة المفتشين: أول زيارة للوكالة الدولية إلى موقع مضروب — فوردو تحديدًا — ستكون أوضح إشارة إلى أن ضلع الصفقة يتقدم. استمرار صيغة «الوصول بعد الاتفاق النهائي» حتى انقضاء مهلة الستين يومًا في أغسطس 2026 يعني ترسّخ العتبة الدائمة. ويبقى الاختبار الذهبي مصير المخزون: أي ترتيب معلن لنقله أو ختمه يعادل في دلالته توقيع اتفاق كامل.
  • هيكل العقوبات: مسار الإعفاء النفطي الأميركي الممنوح في 22 يونيو — تجديدًا أو إسقاطًا — بعد انهيار وقف النار في 8 يوليو، وموقف الأوروبيين من إعادة بناء نظام العقوبات الأممي. تفكيك تدريجي للعقوبات يشتري ضلع الصفقة؛ وتشديدها مع غياب الرقابة يعيد إنتاج خريف 2025 الذي سبق الحرب.
  • خطاب العقيدة في طهران: الفتوى المنسوبة إلى المرشد الراحل بتحريم السلاح النووي كانت الغطاء الفقهي لضبط النفس المعلن. يُراقب الآن ما إذا كان المرشد الجديد مجتبى خامنئي سيجدد هذا التحريم صراحة، أم يترك المسؤولين يلوّحون بـ«مراجعة العقيدة النووية» كما فعل بعضهم منذ 2024. تحوّل هذا الخطاب من التلويح إلى التنظير الرسمي سيكون أخطر مؤشر في الملف كله.

أسئلة يطرحها القراء

هل تستطيع إيران صنع قنبلة نووية اليوم؟

لا أحد يعلم على وجه اليقين، وهذه الإجابة نفسها هي المشكلة. قبل ضربات يونيو 2025 كان بوسع المحللين قياس زمن الاختراق من تقارير التفتيش الدورية؛ اليوم لا توجد بيانات مستقلة عن قدرة التخصيب المتبقية ولا عن مكان المخزون. المؤكد أن المعرفة التقنية والمادة الخام النظرية قائمتان، وأن التسليح الكامل يحتاج شهورًا طويلة على الأقل، وأن أي اندفاع مكشوف نحو السلاح سيستدعي على الأرجح ضربات جديدة قبل اكتماله.

ماذا حدث لمخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%؟

مصيره أهم لغز في الملف. تقديرات الوكالة الدولية، المحمولة من آخر تحقق فعلي قبل الضربات، تضعه عند نحو 440 كيلوغرامًا من سادس فلوريد اليورانيوم. أوحت طهران بأنه نُقل قبل القصف، ولم يُقدَّم دليل مستقل يؤكد سلامته أو موقعه، ورفضت إيران بحث الوصول إليه إلا ضمن اتفاق نهائي مع واشنطن. وقد تحوّل المخزون عمليًا إلى الورقة التفاوضية المركزية في محادثات 2026.

هل ما زالت خطة العمل الشاملة المشتركة قائمة؟

عمليًا انتهت. الاتفاق فقد ركنه الأميركي بالانسحاب عام 2018، وفقد قيوده التقنية مع صعود التخصيب إلى 60%، ثم فقد مظلته الأممية حين أعادت آلية «سناب باك» العقوبات في سبتمبر 2025. ما يجري التفاوض عليه اليوم ليس إحياء للاتفاق القديم بل بناء ترتيبات جديدة تبدأ من واقع ما بعد الضربات: مخزون غائب، ومنشآت مدمرة جزئيًا، ورقابة تُشترى بالتقسيط.