في الأيام الأولى من يونيو/حزيران 2026، وقف محافظ بنك إسرائيل أمير يارون على منصة مؤتمر اقتصادي في هرتسيليا شمالي تل أبيب ليضع أمام الحاضرين رقمًا واحدًا: 405 مليارات شيكل، أي نحو 138 مليار دولار، هي كلفة سلسلة الحروب المتشابكة التي فُتحت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى نهاية أبريل/نيسان 2026. «رقم هائل، يتجاوز 17% من الناتج المحلي»، بتعبير المحافظ الذي نقلته وكالة فرانس برس. لم يجادل أحد في القاعة في الرقم نفسه؛ كان الجدل كله حول السؤال الذي يليه: إلى متى يمكن تحمّله؟
تُروى المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى عادةً بلغة الضربات والاغتيالات والمنشآت النووية. لكن تحت هذه اللغة يجري دفتر حسابات ثلاثي، تتراكم بنوده منذ عقود وتضخمت وتيرتها منذ حرب الاثني عشر يومًا في يونيو/حزيران 2025 ثم حملة فبراير/شباط 2026 التي قُتل فيها المرشد علي خامنئي. وأطروحة هذا المقال أن قراءة هذا الدفتر تكشف ثلاث حروب مالية مختلفة جذريًا تجري في آن واحد: إسرائيل تخوض أغلى حرب في تاريخها قياسًا إلى حجم اقتصادها، وإيران تقاتل بموازنة رسمية تقل عما ينفقه خصماها في أسبوعين، والولايات المتحدة تدير عدّادًا مفتوحًا تتكفل به أكبر ميزانية عسكرية في العالم. هذا اللاتناظر المالي ليس تفصيلًا محاسبيًا؛ إنه، كما سنرى، المفتاح الذي يفسر شكل الحرب ذاتها: لماذا تُخاض جولات قصيرة ثم تتوقف، ولماذا يراهن كل طرف على استنزاف جيب خصمه لا على احتلال أرضه.
هذا التحليل هو الحلقة الأولى من سلسلة أسبوعية من خمس حلقات بعنوان «اقتصاد المواجهة»، نتتبع فيها بالبيانات الموثقة البعد المالي للصراع: فاتورة الإنفاق العسكري، ثم اقتصاد الصاروخ والاعتراض، وأسواق الطاقة، وسلاسل التسليح، وقدرة الاقتصادات المتحاربة على التحمل. الأرقام هنا كلها من مصادر معلنة — معاهد أبحاث التسلح، والبنوك المركزية، والصحافة المالية — وما كان منها تقديرًا قلنا صراحة إنه تقدير.
خريطة الإنفاق الكبرى: ما تقوله أرقام سيبري
نقطة الانطلاق المنهجية هي قاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، المرجع الأوسع اعتمادًا في قياس الإنفاق العسكري. تقول أرقام المعهد إن العالم أنفق على السلاح 2718 مليار دولار عام 2024، بزيادة حقيقية قدرها 9.4% هي الأحدّ منذ نهاية الحرب الباردة، وإن الشرق الأوسط ساهم في هذه القفزة بحصة وازنة: 243 مليار دولار، بزيادة 15% عن العام السابق.
داخل هذا الإجمالي الإقليمي يقع الرقم الذي تصدّر عناوين التقرير: قفز الإنفاق العسكري الإسرائيلي 65% في عام واحد ليبلغ 46.5 مليار دولار عام 2024، وهي أكبر زيادة سنوية تسجلها إسرائيل منذ حرب يونيو/حزيران 1967، رفعت العبء العسكري إلى 8.8% من الناتج المحلي — ثاني أعلى نسبة في العالم بعد أوكرانيا. وفي الضفة المقابلة من المواجهة، سجلت إيران في العام نفسه 7.9 مليارات دولار فقط، بتراجع حقيقي قدره 10%، إذ قيّدت العقوبات والتضخم قدرة طهران على الزيادة حتى وهي في قلب حرب إقليمية. أما القوتان المحيطتان بالمواجهة فتكملان المشهد: الولايات المتحدة أنفقت 997 مليار دولار، أي أكثر من ثلث الإنفاق العالمي، والسعودية 80.3 مليار دولار بقيت بها أكبر منفق عسكري في الشرق الأوسط وسابع أكبر منفق في العالم.
(مليار دولار)
بالدولار الجاري. فارق المقياس بين واشنطن وبقية الأطراف هو ذاته جزء من بنية المواجهة.
المصدر: سيبري، أبريل/نيسان 2025
ثم جاءت بيانات عام 2025، التي نشرها المعهد في أبريل/نيسان 2026، لتضيف طبقة أدق إلى الصورة. فقد بلغ الإنفاق الإسرائيلي 48.3 مليار دولار، أي بانخفاض حقيقي طفيف قدره 4.9% عزاه المعهد إلى تراجع حدة القتال في غزة بعد اتفاق يناير/كانون الثاني 2025، لكنه ظل أعلى بنسبة 97% من مستوى 2022 — أي أن حجم الآلة العسكرية الإسرائيلية تضاعف تقريبًا في ثلاث سنوات. وسجلت إيران 7.4 مليارات دولار، بتراجع حقيقي رغم زيادة اسمية، لأن تضخمًا سنويًا بلغ 42% التهم الزيادة قبل أن تتحول إلى قدرة شرائية. وتكتمل الصورة بالعودة خطوتين إلى الوراء في صحائف وقائع المعهد: من 23.4 مليار دولار لإسرائيل و6.8 مليارات لإيران عام 2022، إلى 27.5 مليارًا مقابل 10.3 مليارات عام 2023، قبل أن تفترق المسارات نهائيًا. هذان الخطان المتباعدان — منحنى إسرائيلي يقفز ومنحنى إيراني يتآكل — هما الرسم البياني الأهم في المواجهة كلها.
(مليار دولار)
- إسرائيل
- إيران
بالدولار الجاري. أرقام إيران محوّلة بسعر الصرف السوقي (نيما)، وتذبذبها يعكس جزئيًا انهيار العملة لا تغير الإنفاق الفعلي.
المصدر: سيبري، صحائف وقائع 2023–2026
تنبيه منهجي واجب قبل المضي: أرقام إيران الدولارية أقل صلابة من غيرها، لأنها تُحوَّل من ريال منهار القيمة. وقد اضطر معهد سيبري نفسه عام 2023 إلى مراجعة أربع سنوات كاملة من بياناته الإيرانية بعد اعتماد سعر صرف «نيما» السوقي بدل السعر الرسمي، فهبط ترتيب إيران العالمي من المرتبة 14 إلى 39 بجرة قلم محاسبية. الرقم الدولاري الإيراني إذن مؤشر اتجاه أكثر منه قياسًا دقيقًا للقدرة، وسنعود إلى ما يخفيه.
الدفتر الإسرائيلي: أغلى حرب في تاريخ الدولة
الرقم الذي افتتحنا به — 405 مليارات شيكل — لم يولد دفعة واحدة، بل تراكم عبر ثلاث موجات. الموجة الأولى حرب غزة والجبهة الشمالية: قدّر محافظ بنك إسرائيل في مايو/أيار 2024 كلفتها الإجمالية حتى نهاية 2025 بأكثر من 250 مليار شيكل، نحو 66 مليار دولار، بين إنفاق عسكري مباشر وتعويضات وإيواء لعشرات آلاف المهجّرين من بلدات الشمال والجنوب.
الموجة الثانية كانت حرب الاثني عشر يومًا مع إيران في يونيو/حزيران 2025، وهي على قصرها الأغلى قياسًا إلى الزمن. فقد بلغت الكلفة اليومية على إسرائيل، وفق تقديرات إسرائيلية نقلتها تقارير مفصلة، نحو 725 مليون دولار: 593 مليونًا للعمليات الهجومية و132 مليونًا للدفاع والتعبئة، بما مجموعه نحو 5 مليارات دولار في الأسبوع الأول وحده. وكان الاعتراض الجوي هو البند الأشد نهمًا: تجاوز إنفاق إسرائيل على صواريخ الاعتراض وحدها مليار دولار خلال الأيام الاثني عشر وفق تقديرات مفتوحة المصدر، فيما أطلقت البطاريات الأميركية المساندة أكثر من 150 صاروخ «ثاد» بكلفة فاقت 1.9 مليار دولار، التهمت وفق تحليل معهد أبحاث السياسة الخارجية نحو ربع المخزون الأميركي من هذا النظام وسنوات من طاقة إنتاجه. صدّ نحو 500 صاروخ إيراني كاد يُفرغ المخازن — وهي معادلة سنفرد لها الحلقة الثانية من هذه السلسلة، وقد سبق أن حللنا منطقها الاستراتيجي في توازن النار.
الموجة الثالثة هي حملة فبراير/شباط 2026. فوفق تقدير أولي لوزارة المالية الإسرائيلية نقلته وكالة فرانس برس، كلفت الحملة على إيران، من انطلاقها في 28 فبراير/شباط حتى وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان، نحو 35 مليار شيكل إضافية، أي قرابة 12 مليار دولار في أربعين يومًا. وقد ترجمت هذه الموجات نفسها بنيويًا في موازنة 2026 التي أقرها الكنيست بوصفها الأكبر في تاريخ الدولة: 850.6 مليار شيكل، منها مخصص قياسي لوزارة الدفاع قدره 143 مليار شيكل، نحو 45.8 مليار دولار. ويشير المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن حصة الدفاع من موازنة الدولة ارتفعت من 16% عام 2022 إلى نحو الربع عام 2026، فيما اضطرت الحكومة مع تجدد القتال إلى رفع سقف العجز إلى 5.1% من الناتج ثم إلى ما فوقه. المحصلة: دولة صغيرة الاقتصاد نسبيًا تنفق على الأمن نسبة من ناتجها لا تجاريها فيها إلا الدول المحاصَرة، وتموّل ذلك بالدين وبالحليف الأميركي.
الدفتر الإيراني: مفارقة الحرب الرخيصة
على الورق، تبدو الأرقام الإيرانية زهيدة إلى حد يصعب تصديقه: 7.4 مليارات دولار عام 2025، أي أقل مما أنفقته إسرائيل في أسبوعين من حرب يونيو/حزيران 2025 إذا اعتمدنا كلفة اليوم البالغة 725 مليون دولار. لكن هذا الرقم الرسمي يخفي أكثر مما يكشف، لثلاثة أسباب. الأول محاسبي، أسلفناه: التحويل الدولاري يظلم القدرة الشرائية المحلية لاقتصاد يصنع صواريخه ويدفع رواتب جنوده بالريال. والثاني بنيوي: الموازنة المعلنة لا تشمل مصادر التمويل الموازية للحرس الثوري، من إمبراطوريته الاقتصادية إلى مخصصات النفط المباشرة، وهي بنية مالية ظلٍّ فصّلنا خرائطها في التحليل الشقيق لهذا المقال عن اقتصاد الاستنزاف، الذي يتتبع كيف موّلت طهران القتال تحت العقوبات ومن دفع الثمن داخليًا.
أما السبب الثالث فهو الأهم تحليليًا: بنية التوزيع داخل الرقم نفسه. فبحسب صحيفة وقائع سيبري لعام 2023، ارتفعت حصة الحرس الثوري من إجمالي الإنفاق العسكري الإيراني من 27% عام 2019 إلى 37% عام 2023، على حساب الجيش النظامي. وتؤكد موازنة 2025 المنشورة الاتجاه ذاته: خصصت الحكومة للحرس الثوري أكثر من 311 تريليون تومان، نحو 6 مليارات دولار، أي قرابة 1.8 ضعف مخصصات الجيش البالغة 177 تريليون تومان، وفق تحليل منصة «بيانات إيران المفتوحة». إيران لا تشتري جيشًا تقليديًا موازيًا لجيوش خصومها؛ إنها تشتري، بثمن بخس نسبيًا، منظومة ردع من الصواريخ والمسيّرات والوكلاء صُممت أصلًا لتكون رخيصة الإطلاق باهظة الاعتراض.
هنا تكمن المفارقة المزدوجة للدفتر الإيراني. فمن جهة، حققت هذه العقيدة مردودًا استثنائيًا لكل دولار: بضعة مليارات سنويًا فرضت على الخصمين إنفاق عشرات المليارات على الدفاع والاعتراض. ومن جهة أخرى، فإن الكلفة الحقيقية للمواجهة على إيران لا تمر عبر موازنة الدفاع أصلًا، بل عبر الاقتصاد الكلي: عقوبات أعادت تفعيلها آلية «سناباك» في سبتمبر/أيلول 2025، وعملة منهارة، وتوقعات صندوق النقد الدولي بانكماش الناتج 6.1% خلال 2026 مع تضخم يناهز 69%. الإنفاق العسكري الإيراني المعلن لا يتجاوز نسبةً تقارب 2% إلى 3% من الناتج المحلي وفق بيانات البنك الدولي، لكن فاتورة المشروع الاستراتيجي كله — بالعقوبات والحصار وفرص النمو الضائعة — تُقاس بنقاط ناتج كاملة كل عام. إيران تخوض أرخص حرب في المنطقة بأغلى اقتصاد حرب فيها.
الدفتر الأميركي: عدّاد القوة العظمى
ظل البعد الأميركي حتى 2025 يُحسب بوصفه كلفة انتشار لا كلفة حرب: مجموعات حاملات، ودوريات، وذخائر اعتراض تُستهلك دفاعًا عن إسرائيل وعن الملاحة. لكن حملة فبراير/شباط 2026 حوّلت العداد إلى وضع الحرب المفتوحة. فقد قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الكلفة الأميركية المباشرة بنحو 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى وحدها، صعدت إلى 16.5 مليارًا بنهاية اليوم الثاني عشر — أي بمعدل يفوق ملياري دولار يوميًا في ذروة الحملة، مع انتشار مجموعتي حاملات وأكثر من 200 طائرة مقاتلة ومساندة. وبحلول 12 مايو/أيار 2026، كان تقدير البنتاغون لكلفة العمليات ضد إيران قد بلغ 29 مليار دولار وفق ما نقلته صحيفة «ذا هيل»، وكانت الذخائر — الصواريخ والقنابل الموجهة وصواريخ الاعتراض — أكبر بنودها منفردة.
المفارقة الأميركية معكوسة تمامًا: هذه المبالغ، الضخمة بمقياس أي دولة أخرى، تظل هامشية بمقياس ميزانية بلغت 997 مليار دولار عام 2024. الخطر على واشنطن ليس في الدولارات بل فيما تشتريه: مخزونات صواريخ اعتراض وذخائر دقيقة استُنزفت في أسابيع بوتيرة تحتاج سنوات لتعويضها، في وقت تُبنى فيه الاستراتيجية الأميركية الكبرى على التفرغ لمنافسة الصين. الكلفة الاستراتيجية للانشغال بإيران — لا الكلفة المحاسبية — هي التي تفسر لماذا ظلت واشنطن، كما حللنا في حرب الظل الكبرى، تنهي كل جولة بهدنة سريعة بدل حرب مفتوحة.
حساب اللاتناظر: ثلاث حروب مالية في حرب واحدة
إذا وضعنا الدفاتر الثلاثة جنبًا إلى جنب، ظهر اللاتناظر الذي يشكّل بنية المواجهة. بحساب بسيط على الأرقام السابقة: عشرة أيام من حرب يونيو/حزيران 2025 كلفت إسرائيل ما يوازي تقريبًا الموازنة العسكرية الإيرانية الرسمية لعام كامل، وستة أيام من حملة 2026 كلفت الولايات المتحدة أكثر من ذلك. لكن قراءة معاكسة صحيحة أيضًا: إسرائيل تنفق 8.8% من ناتجها على جيشها وإيران نحو 2% إلى 3%، أي أن الاقتصاد الإسرائيلي يحمل عبئًا نسبيًا يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف العبء الإيراني المعلن، ويستطيع ذلك فقط لأن ناتجه للفرد أعلى بمراحل ولأن خلفه مظلة مالية أميركية. كلٌّ من الطرفين يقاتل على الحد الأقصى لنموذجه: إسرائيل على حد ما يحتمله اقتصاد متقدم صغير من إنفاق كثيف قصير النفس، وإيران على حد ما يحتمله اقتصاد محاصر من حرب طويلة رخيصة التشغيل.
من هنا يصبح مفهومًا لماذا اتخذت المواجهة شكلها الراهن: جولات قصيرة عالية الكثافة تناسب من يملك المال ولا يملك طول النفس، وحرب ظل واستنزاف طويلة تناسب من يملك الصبر ولا يملك المال. وكل هدنة هي في جوهرها إعادة تحميل مالية قبل أن تكون سياسية: إسرائيل تعيد بناء مخزون الاعتراض وتمتص عجز الموازنة، وإيران تلتقط أنفاسها النقدية وتصرّف نفطها المخزون، وواشنطن تعيد ملء مستودعات ذخائرها. وأي جولة مقبلة ستبدأ من النقطة المالية التي انتهت إليها سابقتها، وهي دينامية تصعيد فككنا مساراتها المحتملة في الحرب القادمة.
جولة يوليو 2026: العدّاد يدور مجددًا
لحظة كتابة هذه السطور، يكون العداد قد عاد إلى الدوران. فقد انهار وقف إطلاق النار الذي صمد منذ 8 أبريل/نيسان بعدما استهدف الحرس الثوري في 6 يوليو/تموز سفنًا تجارية قبالة عُمان بينها ناقلة غاز قطرية، وردّت واشنطن بموجة ضربات جديدة على أهداف إيرانية تلتها هجمات إيرانية على قواعد أميركية في الخليج. ولا توجد بعدُ أرقام رسمية لكلفة هذه الجولة الوليدة، لكن مؤشراتها الأولية تُقرأ في سوق الطاقة قبل الموازنات: تقدّر أبحاث جي بي مورغان أن مجرد بقاء علاوة المخاطر رافعةً خام برنت عند 80 دولارًا للبرميل يقتطع نحو 0.6% من نمو الاقتصاد العالمي على أساس سنوي في النصف الأول من 2026، فيما يدفع سيناريو إغلاق مضيق هرمز الكامل الخام نحو 130 دولارًا. بعبارة أخرى: صارت فاتورة المواجهة تُوزَّع على العالم كله عبر سعر الطاقة، لا على أطرافها وحدهم.
خاتمة: السؤال الذي يفتح الحلقة الثانية
تكشف الدفاتر الثلاثة خلاصة واحدة مزعجة لأصحابها جميعًا: لا أحد يشتري الحسم بما ينفقه، وإنما يشتري كل طرف الزمن — إسرائيل تشتري أشهر أمان بمليارات مقترضة، وإيران تشتري بقاء نظامها بإفقار اقتصادها، وواشنطن تشتري تأجيل الانكشاف أمام الصين بمخزونات يصعب تعويضها. لكن داخل هذه الفاتورة الإجمالية يختبئ بند واحد يحدد أكثر من سواه شكل الجولات المقبلة: المعركة بين الصاروخ الذي يكلف مئات آلاف الدولارات وصاروخ الاعتراض الذي يكلف ملايين. حين يطلق المهاجم مقذوفًا بمليون دولار ويحرق المدافع اثني عشر مليونًا لإسقاطه، من الذي يربح فعلًا مع كل انفجار في السماء؟ ذلك هو حساب الحلقة الثانية من هذه السلسلة: اقتصاد الاعتراض، ولماذا قد تكون السماء المحمية أغلى سلعة في الشرق الأوسط.